القوت في أعضائها . يضع السماوات على إصبع من أصابع يده ، والأرض على إصبع ، والجبال على إصبع ، والشجر على إصبع ، والماء على إصبع ، ويقبض سماواته بإحدى يديه ، والأرضين باليد الأخرى . فالسماوات السبع في كفّه كخردلة في كف العبد . ولو أن الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم قاموا صفا واحدا ما أحاطوا باللّه عز وجل . لو كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سبحاته ما انتهى إليه بصره من خلقه .
فإذا قام بقلب العبد هذا الشاهد : اضمحلت فيه الشواهد المتقدمة ، من غير أن تعدم ، بل تصير الغلبة والقهر لهذا الشاهد . وتندرج فيه الشواهد كلها . ومن هذا شاهده : فله سلوك وسير خاص . ليس لغيره ممن هو عن هذا في غفلة ، أو معرفة مجملة .
فصاحب هذا الشاهد : سائر إلى اللّه في يقظته ومنامه ، وحركته وسكونه وفطره وصيامه ، له شأن وللناس شأن . هو في واد والناس في واد :
خليليّ ، لا واللّه ، ما أنا منكما * إذا علم من آل ليلى بدا ليا
والمقصود : أن العيان والكشف والمشاهدة في هذه الدار : إنما تقع على الشواهد والأمثلة العلمية . وهو المثل الأعلى الذي ذكره سبحانه في ثلاثة مواضع من كتابه : في سورة النحل .
وسورة الروم . وسورة الشورى ، وهو ما يقوم بقلوب عابديه ومحبيه ، والمنيبين إليه من هذا الشاهد . وهو الباعث لهم على العبادة والمحبة ، والخشية والإنابة . وتفاوتهم فيه لا ينحصر طرفاه . فكل منهم له مقام معلوم لا يتعداه . وأعظم الناس حظا في ذلك معترف بأنه لا يحصي ثناء عليه سبحانه ، وأنه فوق ما يثني عليه المثنون ، وفوق ما يحمده الحامدون ، كما قيل :
وما بلغ المهدون نحوك مدحة * وإن أطنبوا ، إن الذي فيك أعظم
لك الحمد كل الحمد . لا مبدأ له * ولا منتهى . واللّه بالحمد أعلم
وطهارة القلب ، ونزاهته من الأوصاف المذمومة ، والإرادات السفلية ، وخلوه وتفريغه من التعلق بغير اللّه سبحانه : هو كرسي هذا الشاهد ، الذي يجلس عليه ، ومقعده الذي يتمكن فيه .
فحرام على قلب متلوث بالخبائث والأخلاق الرديئة والصفات الذميمة ، متعلق بالمرادات السافلة : أن يقوم به هذا الشاهد ، وأن يكون من أهله :
نزه فؤادك عن سوانا . وائتنا * فجنابنا حلّ لكل منزّه
والصبر طلّسم لكنز لقائنا * من حلّ ذا الطلّسم فاز بكنزه
إذا طلعت شمس التوحيد ، وباشرت جوانبها الأرواح ، ونورها البصائر ، تجلت بها ظلمات النفس والطبع . وتحركت بها الأرواح في طلب من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، فسافر القلب في بيداء الأمر ، ونزل منازل العبودية ، منزلا منزلا . فهو ينتقل من عبادة إلى عبادة ، مقيم على معبود واحد . فلا تزال شواهد الصفات قائمة بقلبه ، توقظه إذا رقد ، وتذكره إذا غفل ، وتحدو به إذا سار ، وتقيمه إذا قعد ، إن قام بقلبه شاهد من الربوبية والقيومية رأى أن الأمر كله للّه ليس لأحد معه من الأمر شيء
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 2 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
( 3 ) [ فاطر : 2 ، 3 ]
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ