تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 805

مساهمون:

ص٨٠٥
والسرور . فيقوم بقلبه شاهد دار قد جعل اللّه النعيم المقيم الدائم بحذافيره فيها ، تربتها المسك ، وحصباؤها الدّرّ ، وبناؤها لبن الذهب والفضة ، وقصب اللؤلؤ ، وشرابها أحلى من العسل ، وأطيب رائحة من المسك ، وأبرد من الكافور ، وألذ من الزنجبيل ، ونساؤها لو برز وجه إحداهن في هذه الدنيا لغلب على ضوء الشمس . ولباسهم الحرير من السندس والإستبرق ، وخدمهم ولدان كاللؤلؤ المنثور ، وفاكهتهم دائمة ، لا مقطوعة ولا ممنوعة ، وفرش مرفوعة ، وغذاؤهم لحم طير مما يشتهون . وشرابهم عليه خمرة لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون ، وخضرتهم فاكهة مما يتخيرون ، وشاهدهم حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون ، فهم على الأرائك متكئون ، وفي تلك الرياض يحبرون . وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين . وهم فيها خالدون . فإذا انضم إلى هذا الشاهد : شاهد يوم المزيد ، والنظر إلى وجه الرب جل جلاله ، وسماع كلامه منه بلا واسطة . كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « بينا أهل الجنة في نعيمهم ، إذ سطع لهم نور ، فرفعوا رؤوسهم ، فإذا الرب تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم . وقال : يا أهل الجنة ، سلام عليكم - ثم قرأ قوله تعالى :
سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ
[ يس : 58 ] - ثم يتوارى عنهم . وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم » . فإذا انضم هذا الشاهد إلى الشواهد التي قبله : فهناك يسير القلب إلى ربه أسرع من سير الرياح في مهابّها ، فلا يلتفت في طريقه يمينا ولا شمالا . هذا . وفوق ذلك : شاهد آخر تضمحل فيه هذه الشواهد ، ويغيب به العبد عنها كلها . وهو شاهد جلال الرب تعالى ، وجماله وكماله ، وعزه وسلطانه ، وقيوميته وعلوه فوق عرشه ، وتكلمه بكتبه وكلمات تكوينه ، وخطابه لملائكته وأنبيائه . فإذا شاهده شاهد بقلبه قيوما قاهرا فوق عباده ، مستويا على عرشه ، منفردا بتدبير مملكته ، آمرا ناهيا ، مرسلا رسله ، ومنزلا كتبه . يرضى ويغضب ، ويثيب ويعاقب . ويعطي ويمنع ، ويعز ويذل . ويحب ويغضب . ويرحم إذا استرحم ، ويغفر إذا استغفر ، ويعطي إذا سئل ، ويجيب إذا دعي ، ويقيل إذا استقيل ، أكبر من كل شيء ، وأعظم من كل شيء ، وأعز من كل شيء ، وأقدر من كل شيء ، وأعلم من كل شيء ، وأحكم من كل شيء . فلو كانت قوى الخلائق كلهم على واحد منهم ، ثم كانوا كلهم على تلك القوة . ثم نسبت تلك القوى إلى قوة اللّه تعالى لكانت كقوة البعوضة بالنسبة إلى قوة الأسد ، ولو قدر جمال الخلق كلهم على واحد منهم ، ثم كانوا كلهم بذلك الجمال ، ثم نسب إلى جمال الرب تعالى لكان دون سراج ضعيف بالنسبة إلى عين الشمس ، ولو كان علم الأولين والآخرين على رجل منهم ، ثم كان كل الخلق على تلك الصفة . ثم نسب إلى علم الرب تعالى لكان ذلك بالنسبة إلى علم الرب كنقرة عصفور في بحر « 1 » ، وهكذا سائر صفاته ، كسمعه وبصره ، وسائر نعوت كماله . فإنه يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات ، على تفنن الحاجات . فلا يشغله سمع عن سمع . ولا تغلطه المسائل . ولا يتبرم بإلحاح الملحين ، سواء عنده من أسرّ القول ومن جهر به ، فالسر عنده علانية ، والغيب عنده شهادة ، يرى دبيب النملة السوداء ، على الصخرة الصماء ، في الليلة الظلماء ، ويرى نياط عروقها ، ومجاري
هامش
( 1 ) بل ولا يصح أن تنسب ولا أن تقاس مطلقا .