تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 803

مساهمون:

ص٨٠٣
إذا عرفت هذا ، فالمعاينة نوعان : معاينة بصر ، ومعاينة بصيرة . فمعاينة البصر : وقوعه على نفس المرئي ، أو مثاله الخارجي ، كرؤية مثال الصورة في المرآة والماء ، ومعاينة البصيرة : وقوع القوة العاقلة على المثال العلمي المطابق للخارجي . فيكون إدراكه له بمنزلة إدراك العين للصورة الخارجية . وقد يقوي سلطان هذا الإدراك الباطن ، بحيث يصير الحكم له ، ويقوي استحضار القوة العاقلة لمدركها ، بحيث يستغرق فيه . فيغلب حكم القلب على حكم الحس والمشاهدة . فيستولي على السمع والبصر ، بحيث يراه ، ويسمع خطابه في الخارج ، وهو في النفس والذهن . لكن لغلبة الشهود ، وقوة الاستحضار ، وتمكن حكم القلب واستيلائه على القوى : صار كأنه مرئي بالعين ، مسموع بالأذن . بحيث لا يشك المدرك ولا يرتاب في ذلك البتة . ولا يقبل عذلا . وحقيقة الأمر : أن ذلك كله شواهد وأمثلة علمية ، تابعة للمعتقد . فذلك الذي أدرك بعين القلب والروح : إنما هو شاهد دال على الحقيقة . وليس هو نفس الحقيقة . فإن شاهد نور جلال الذات في قلب العبد ليس هو نفس نور الذات الذي لا تقوم له السماوات والأرض . فإنه لو ظهر لها لتدكدكت ، ولأصابها ما أصاب الجبل . وكذلك شاهد نور العظمة في القلب : إنما هو نور التعظيم والإجلال ، لا نور نفس المعظّم ذي الجلال والإكرام . وليس مع القوم إلا الشواهد ، والأمثلة العلمية ، والرقائق التي هي ثمرة قرب القلب من الرب ، وأنسه به ، واستغراقه في محبته وذكره ، واستيلاء سلطان معرفته عليه . والرب تبارك وتعالى وراء ذلك كله . منزه مقدس عن اطلاع البشر على ذاته ، أو أنوار ذاته . أو صفاته ، أو أنوار صفاته وإنما هي الشواهد التي تقوم بقلب العبد ، كما يقوم بقلبه شاهد من الآخرة والجنة والنار ، وما أعد اللّه لأهلهما . وهذا هو الذي وجده عبد اللّه بن حرام الأنصاري يوم أحد ، لما قال : « واها لريح الجنة ! إني أجد واللّه ريحها دون أحد » ومن هذا قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا . قالوا : وما رياض الجنة ؟ قال : حلق الذكر » ومنه قوله : « ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة » « 1 » فهو روضة لأهل العلم والإيمان ، لما يقوم بقلوبهم من شواهد الجنة ، حتى كأنها لهم رأي عين . وإذا قعد المنافق هناك لم يكن ذلك المكان في حقه روضة من رياض الجنة ، ومن هذا قوله صلى اللّه عليه وسلم « الجنة تحت ظلال السيوف » . فالعمل : إنما هو على الشواهد . وعلى حسب شاهد العبد يكون عمله . ونحن نشير بعون اللّه وتوفيقه إلى الشواهد ، إشارة يعلم بها حقيقة الأمر . فأول شواهد السائر إلى اللّه والدار الآخرة : أن يقوم به شاهد من الدنيا وحقارتها ، وقلة وفائها ، وكثرة جفائها ، وخسة شركائها ، وسرعة انقضائها . ويرى أهلها وعشاقها صرعى حولها ،
هامش
( 1 ) هذا الحديث واقعة حال يصف فيه الرسول صلى اللّه عليه وسلم ما جلا اللّه له في ذلك الوقت الذي قام يخطب فيه يوم موت ابنه إبراهيم ، وصادف يوم كسوف الشمس . فانتهز اليهود الفرصة ، وحاولوا الفتنة فأشاعوا : أنها كسفت لموت إبراهيم . فغضب صلى اللّه عليه وسلم لربه أشد غضب . فجلا اللّه له ما جلى فأراه الجنة في هذا الحين ما بين بيته ومنبره . ودعوى أنها بقيت كذلك روضة من الجنة لا يقوم عليها دليل .