تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 804

مساهمون:

ص٨٠٤
قد بدّعت بهم « 1 » ، وعذبتهم بأنواع العذاب ، وأذاقتهم أمرّ الشراب ، أضحكتهم قليلا ، وأبكتهم طويلا . سقتهم كؤوس سمها ، بعد كؤوس خمرها ، فسكروا بحبها ، وماتوا بهجرها . فإذا قام بالعبد هذا الشاهد منها : ترحل قلبه عنها ، وسافر في طلب الدار الآخرة « 2 » وحينئذ يقوم بقلبه شاهد من الآخرة ودوامها ، وأنها هي الحيوان حقا ، فأهلها لا يرتحلون منها . ولا يظعنون عنها . بل هي دار القرار ، ومحط الرحال ، ومنتهى السير ، وأن الدنيا بالنسبة إليها - كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم - « ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليمّ ، فلينظر بم ترجع ؟ » وقال بعض التابعين : ما الدنيا في الآخرة إلا أقل من ذرة واحدة في جبال الدنيا . ثم يقوم بقلبه شاهد من النار ، وتوقدها واضطرامها . وبعد قعرها ، وشدة حرّها ، وعظيم عذاب أهلها ، فيشاهدهم وقد سيقوا إليها سود الوجوه ، زرق العيون ، والسلاسل والأغلال في أعناقهم . فلما انتهوا إليها : فتّحت في وجوههم أبوابها . فشاهدوا ذلك المنظر الفظيع ، وقد تقطعت قلوبهم حسرة وأسفا
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً
[ الكهف : 53 ] فأراهم شاهد الإيمان ، وهم إليها يدفعون . وأتى النداء من قبل رب العالمين
وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ
[ الصّافات : 24 ] ثم قيل لهم
هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 14 ) أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ( 15 ) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ الطّور : 14 - 16 ] فيراهم شاهد الإيمان . وهم في الحميم ، على وجوههم يسحبون . وفي النار كالحطب يسجرون
لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ
[ الأعراف : 41 ] فبئس اللحاف وبئس الفراش . وإن استغاثوا من شدة العطش
يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ
[ الكهف : 29 ] فإذا شربوه قطّع أمعاءهم في أجوافهم ، وصهر ما في بطونهم . شرابهم الحميم . وطعامهم الزقوم
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ( 36 ) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ
[ فاطر : 36 ، 37 ] . فإذا قام بقلب العبد هذا الشاهد : انخلع من الذنوب والمعاصي ، واتباع الشهوات . ولبس ثياب الخوف والحذر ، وأخصب قلبه من مطر أجفانه ، وهان عليه كل مصيبة تصيبه في غير دينه وقلبه . وعلى حسب قوة هذا الشاهد يكون بعده من المعاصي والمخالفات . فيذيب هذا الشاهد من قلبه الفضلات ، والمواد المهلكة ، وينضجها ثم يخرجها . فيجد القلب لذة العافية وسرورها . فيقوم به بعد ذلك : شاهد من الجنة ، وما أعد اللّه لأهلها فيها ، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، فضلا عما وصفه اللّه لعباده على لسان رسوله من النعيم المفصل ، الكفيل بأعلى أنواع اللذة ، من المطاعم والمشارب ، والملابس والصور ، والبهجة
هامش
( 1 ) أخلفت ظنونهم . ( 2 ) وهل له طريق يسافر منه إلى الآخرة إلا من الدنيا وأموالها وأزواجها وأبنائها وحرثها وزرعها وغناها وفقرها وكل ما تفضل اللّه رب الإنسان المؤمن الشاكر الصابر وأعطاه من نعم قدرها قدرها . وصبر نفسه معه في يقظة وتثبيت فأحسن الانتفاع بها . وكان من الصابرين الشاكرين ؟ ! .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 804 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى