تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 802

مساهمون:

ص٨٠٢
المرئي إلى العين . وقد جعل اللّه سبحانه القلب يبصر ويعمى ، كما تبصر العين وكما تعمى . قال تعالى :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
[ الحجّ : 46 ] فالقلب يرى ويسمع ، ويعمى ويصم . وعماه وصممه أبلغ من عمى البصر وصممه . وأمّا ما يثبته متأخرو القوم من هذا القسم الثالث - وهو رؤية الروح ، وسمعها وإرادتها ، وأحكامها ، التي هي أخص من أحكام القلب - فهؤلاء اعتقادهم أن الروح غير النفس والقلب . ولا ريب أن هاهنا أمورا معلومة ، وهي : البدن ، وروحه القائم به ، والقلب المشاهد فيه ، وفي سائر الحيوان ، والغريزة . وهي القوة العاقلة التي محلها القلب . ونسبتها إلى القلب كنسبة القوة الباصرة إلى العين ، والقوة السامعة إلى الأذن ، ولهذا تسمى تلك القوة قلبا ، كما تسمى القوة الباصرة بصرا . قال تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ
[ ق : 37 ] ولم يرد شكل القلب . فإنه لكل أحد وإنما أراد : القوة والغريزة المودعة فيه . والروح : هي الحاملة للبدن ، ولهذه القوى كلها . فلا قوام للبدن ولا لقواه إلا بها . ولها - باعتبار إضافتها إلى كل محل - حكم واسم يخصها هناك ، فإذا أضيفت إلى محل البصر سميت بصرا ، وكان لها حكم يخصها هناك ، وإذا أضيفت إلى محل السمع سميت سمعا ، وكان لها حكم يخصها هناك ، وإذا أضيفت إلى محل العقل - وهو القلب - سميت قلبا . ولها حكم يخصها هناك ، هي في ذلك كله روح . فالقوة الباصرة والعاقلة والسامعة والناطقة : روح باصرة وسامعة وعاقلة وناطقة . فهي في الحقيقة هذا العاقل ، الفاهم المدرك ، المحب العارف ، المحرك للبدن ، الذي هو محل الخطاب والأمر والنهي - هو شيء واحد له صفات متعددة بحسب متعلقاته . فإنه يسمى نفسا مطمئنة . ونفسا لوامة ، ونفسا أمّارة . وليس هو ثلاثة أنفس بالذات والحقيقة ، ولكن هو نفس واحدة لها صفات متعددة . وهم يشيرون بالنفس إلى الأخلاق والصفات المذمومة . فيقولون : فلان له نفس ، وفلان ليس له نفس ، ومعلوم : أنه لو فارقته نفسه لمات ، ولكن يريدون تجرده عن صفات النفس المذمومة . والمحققون منهم يقولون : إن النفس إذا تلطفت وفارقت الرذائل صارت روحا ، ومعلوم أنها لم تعدم ، ويخلق له مكانها روح لم تكن . ولكن عدمت منها الصفات المذمومة ، وصارت مكانها الصفات المحمودة ، فسميت روحا . وهذا اصطلاح مجرد ، وإلا فاللّه سبحانه وتعالى سماها نفسا في القرآن في جميع أحوالها - أمّارة ، ولوامة ، ومطمئنة - قال تعالى :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
[ الزّمر : 42 ] ويدخل في هذا جميع أنفس العباد ، حتى الأنبياء ، وسماها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « روحا » على الإطلاق - مؤمنة كانت أو كافرة ، برّة أو فاجرة - كقوله « إن الروح إذا قبض تبعه البصر » وقوله « إن اللّه قبض أرواحنا حيث شاء . وردها حيث شاء » وقوله صلى اللّه عليه وسلم في حديث قبض الروح وصفته « إن كان مؤمنا كان كذا وكذا . وإن كان كافرا كان كذا وكذا » فسمي المقبوض « روحا » كما سماه اللّه في كتابه « نفسا » وهذا المقبوض والمتوفّى شيء واحد ، لا ثلاثة ولا اثنان . وإذا قبض تبعته القوى كلها : العقل ، وما دونه . لأنه كان حامل الجميع ومركبه .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 802 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى