تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 801

مساهمون:

ص٨٠١
وقد تقدم الكلام على مراده « بالوجود » وأنه وجود علم ، ووجود عين ، ووجود مقام . وسيأتي تمام الكلام عليه في بابه . إن شاء اللّه تعالى .

باب المعاينة

قال شيخ الإسلام : « ( باب المعاينة ) قال اللّه تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ
[ الفرقان : 45 ] » . قلت « المعاينة » مفاعلة من العيان . وأصلها من الرؤية بالعين . يقال : عاينه إذا وقعت عينه عليه ، كما يقال : شافهه ، إذا كلمه شفاها ، وواجهه : إذا قابله بوجهه . وهذا مستحيل في هذه الدار أن يظفر به بشر . وأما قوله
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ
[ الفرقان : 45 ] فالرؤية واقعة على نفس مدّ الظل ، لا على الذي مدّه سبحانه . كما قال تعالى :
أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً
[ نوح : 15 ] وقوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ
[ الفيل : 1 ] فههنا أوقع الرؤية على نفس الفعل . وفي قوله :
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ
[ الفرقان : 45 ] أوقعها في اللفظ عليه سبحانه . والمراد : فعله من مد الظل . هذا كلام عربيّ بيّن معناه . غير محتمل ولا مجمل ، كما قيل في العزّى :
كفرانك اليوم ، لا سبحانك * إني رأيت اللّه قد أهانك
وهو كثير في كلامهم . يقولون : رأيت اللّه قد فعل كذا وكذا . والمراد رأيت فعله . فالعيان ، والرؤية : واقع على المفعول ، لا على ذات الفاعل وصفته ، ولا فعله القائم به .

أنواع المعاينة

قال صاحب المنازل : « المعاينة ثلاث : إحداها : معاينة الأبصار . الثانية : معاينة عين القلب ، وهي معرفة عين الشيء على نعته ، علما يقطع الرّيبة ، ولا تشوبه حيرة . الثالثة : معاينة عين الروح ، وهي التي تعاين الحق عيانا محضا . والأرواح إنما طهّرت وأكرمت بالبقاء لتعاين سنا الحضرة ، وتشاهد بهاء العزة ، وتجذب القلوب إلى فناء الحضرة » . جعل الشيخ المعاينة للعين والقلب والروح . وجعل لكل معاينة منها حكما . فمعاينة العين : هي رؤية الشيء عيانا ، إمّا بانطباع صورة المرئي في القوة الباصرة ، عند أصحاب الانطباع ، وإما باتصال الشعاع المنبسط من العين المتصل بالمرئي ، عند أصحاب الشعاع ، وإمّا بالنسبة والإضافة الخاصة بين العين وبين المرئي ، عند كثير من المتكلمين . والأقوال الثلاثة : لا تخلو عن خطأ وصواب . والحق شيء غيرها ، وأن اللّه سبحانه جعل في العين قوة باصرة ، كما جعل في الأذن قوة سامعة ، وفي الأنف قوة شامّة ، وفي اللسان قوة ناطقة وقوة ذائقة . فهذه قوى أودعها اللّه سبحانه في هذه الأعضاء . وجعل بينها وبينها رابطة ، وجعل لها أسبابا من خارج ، وموانع تمنع حكمها . وكل ما ذكروه من انطباع ، ومقابلة ، وشعاع ، ونسبة ، وإضافة : فهو سبب وشرط . والمقتضى هو القوة القائمة بالمحل ، وليس الغرض ذكر هذه المسألة . فالمقصود أمر آخر . وأمّا معاينة القلب : فهي انكشاف صورة المعلوم له ، بحيث تكون نسبته إلى القلب كنسبة
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 801 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى