تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 800

مساهمون:

ص٨٠٠
[ الإسراء : 23 ] قال : وما قضى اللّه شيئا إلا وقع ، وما عبد غير للّه في كل معبود . فهذا مشهد الملحد . والموحد يشاهد - بإيمانه ويقينه - ذاتا جامعة للأسماء الحسنى ، والصفات العلى ، لها كل صفة كمال ، وكل اسم حسن . وذلك يجذبه إلى نفس اجتماع همه على اللّه ، وعلى القيام بفرائضه . والطريق - بمجموعها - لا تخرج عن هذين السببين ، وإن طولوا العبارات ، ودققوا الإشارات ، فالأمر كله دائر على جمع الهمة على اللّه ، واستفراغ الوسع بغاية النصيحة في التقرب إليه بالنوافل ، بعد تكميل الفرائض . فلا تطوّل ولا يطوّل عليك . وشيخ الإسلام مراده بالجمع الجاذب إلى عين الجمع : أمر آخر بين هذا وبين جمع أهل الوحدة وعين جمعهم ، لا هو هذا ولا هو هذا ، فهو دائر على « الفناء » لا تأخذه فيه لومة لائم . وهو الجمع الذي يدندن حوله ، و « عين الجمع » عنده هو تفرد الرب سبحانه بالأزلية وبالدوام ، وبالخلق والفعل ، فكان ولا شيء ، ويكون بعد كل شيء ، وهو المكون لكل شيء ، فلا وجود في الحقيقة لغيره ، ولا فعل لغيره ، بل وجود غيره كالخيال والظلال ، وفعل غيره في الحقيقة كحركات الأشجار والنبات . وهذا تحقيق « الفناء » في شهود الربوبية ، والأزلية ، والأبدية ، وطيّ بساط شهود الأكوان . فإذا ظهر هذا الحكم انمحق وجود العبد في وجود الحق . وتدبيره في تدبير الحق ، فصار سبحانه هو المشهود بوجود العبد ، متلاش مضمحل كالخيال والظلال . ولا يستعد لهذا عندهم إلا من اجتمعت إرادته على المراد وحده ، حالا لا تكلفا ، وطبعا لا تطبعا ، فقد تنبعث الهمة إلى أمر وتتعلق به ، وصاحبها معرض عن غير مطلبه ، متحل به . ولكن إرادة السّوى كامنة فيه ، قد توارى حكمها واستتر ، ولما يزل . فإن القلب إذا اشتغل بشيء اشتغالا تاما توارت عنه إرادته لغيره ، والتفاته إلى ما سواه ، مع كونه كامنا في نفسه ، مادته حاضرة عنده . فإذا وجد فجوة وأدنى تخلّ من شاغله : ظهر حكم تلك الإرادات التي كان سلطان شهوده يحول بينه وبينها . فإذا الجمع وعين الجمع ثلاث مراتب : أعلاها : جمع لهم على اللّه : إرادة ومحبة وإنابة ، وجمع القلب والروح والنفس والجوارح على استفراغ الوسع في التقرب إليه بما يحبه ويرضاه ، دون رسوم الناس وعوائدهم . فهذا جمع خواص المقربين وساداتهم . والثاني : الاستغراق في الفناء في شهود الربوبية . وتفرد الرب سبحانه بالأزلية والدوام ، وأن الوجود الحقيقي له وحده . وهذا الجمع دون الجمع الأول بمراتب كثيرة . والثالث : جمع الملاحدة الاتحادية ، وعين جمعهم ، وهو جمع الشهود في وحدة الوجود ، فعليك بتمييز المراتب ، لتسلم من المعاطب . وسيأتي ذكر مراتب الجمع والتمييز بين صحيحها وفاسدها ، في آخر باب التوحيد من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى . واللّه المستعان . قوله « مالكة لصحة الورود » أي ضامنة لصحة ورودها ، شاهدة بذلك مشهودا لها به ، لأنها فوق مشاهدة المعرفة ، وفوق مشاهدة المعاينة . قوله « راكبة بحر الوجود » يعني : تلك المشاهدة راكبة بحر الوجود ، فهي في لجّة بحره ، لا في أنواره ، ولا في بوارقه .