والصور ، والقوى والأفعال والأسماء . « وحضرة الجمع » عنده : هي حضرة هذا الوجود .
ومشاهدة هذا الجمع تجذب إلى عينه .
قال : وصفة هذا الجذب : أن يحل الحق تعالى عقد خليقته بيد حقيقته ، فيرجع النور الفائض على صورة خليقته إلى أصله ، ويرجع العبد إلى عدميته ، فيبقى الوجود للحق ، والفناء للخلق . ويقيم الحق تعالى وصفا من أوصافه ، نائبا عنه في استجلاء ذاته ، فيكون الحق هو المشاهد ذاته بذاته ، في طور من أطوار ظهوره ، وهي مرتبة عبده . فإذا ثبّت الحق تعالى عبده بعد نفيه ومحوه ، وأبقاه بعد فنائه ، فعاد كما يعود السكران إلى صحوه - وجد في ذاته أسرار ربه ، وطور صفاته ، وحقائق ذاته ، ومعالم وجوده ، ومطارح أشعة نوره ، ووجد خليقته أسماء مسمى ذاته ، وعوده إليه . فيرى العبد ثبوت ذلك الاسم في حضرة سائر الأسماء المشيرة بدلالتها إلى الوجود المنزه الأصل ، الموهم الفرع . فيؤدي استصحاب النظر إلى أصله : أن الفرع لم يفارقه هو إلا بشكله . والشكل - على اختلاف ضروبه - فمعنى عدمي لتعين إمكانه في وجوبه .
فانظر ما في هذا الكلام من الإلحاد والكفر الصراح . وجعل عين المخلوق نفس عين الخالق ، وأن الرب سبحانه أقام نفس أوصافه نائبة عنه في استجلاء ذاته ، وأنه شاهد ذاته بذاته في مراتب الخلق ، وأن الإنسان إذا صحا من سكره وجد في ذاته حقائق ذات الرب . ووجد خليقته أسماء مسمى ذاته ، فيرى ثبوت ذلك الاسم في حضرة سائر الأسماء ، المشيرة بدلالتها إلى الوجود « المنزه الأصل » يعني عن الانقسام والتكثر « الموهم الفرع » يعني الذي يوهم فروعه وتكثر مظاهره ، واختلاف أشكاله : أنه متعدد . وإنما هو وجود واحد ، والأشكال على اختلاف ضروبها أمور عدمية ، لأنها ممكنة . وإمكانها يفنى في وجوبها ، فلم يبق إلا وجوب واجب الوجود ، وهو واحد . وإن اختلفت الأشكال التي ظهر فيها ، والأسماء التي أشارت إليه .
فالاتحادي يشاهد وجودا واحدا ، جامعا لجميع الصور والأنواع والأجناس ، فاض عليها كلها ، فظهر فيها بحسب قوابلها واستعداداتها .
وذلك الشهود يجذبه إلى انحلال عزمه عن التقيد بمعبود معين ، أو عبادة معينة ، بل يبقى معبوده الوجود المطلق الساري في الموجودات بأي معنى ظهر . وفي أي ماهية تحقق . فلا فرق عنده بين السجود للصنم والشمس والقمر والنجوم وغيرها . كما قال شاعر القوم « 1 » :
وإن خر للأحجار في البيد عاكف * فلا تعد بالإنكار بالعصبية
وإن عبد النار المجوس وما انطفت * كما جاء في الأخبار مذ ألف حجّة
فما عبدوا غيري . وما كان قصدهم * سواي . وإن لم يظهروا عقد نيّة
وما عقد الزنار حكما سوى يدي * وإن حلّ بالإقرار لي . فهي بيعتي
وكما قال عارفهم « 2 » : واعلم أن للحق في كل معبود وجها . يعرفه من عرفه ، ويجهله من جهله ، فالعارف يعرف من عبد ، وفي أي صورة ظهر . قال اللّه :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
هامش
( 1 ) هو عمر بن الفارض في التائية .
( 2 ) هو ابن عربي الحاتمي في الفصوص .