العلم ، يلتبس عليه ما في الذهن بما في الخارج ، ونور المعاملات بنور رب الأرض والسماوات
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
[ النّور : 40 ] .
قوله : « ولا مكاشفة الحال » مكاشفة الحال : هي المواجيد التي يجدها السالك بوارداته ، حتى يبقى الحكم لقلبه وحاله .
قوله : « وهي مكاشفة لا تذر سمة تشير إلى الالتذاذ » يريد : أن هذه المكاشفة تمحو رسوم المكاشف . فلا يبقى منه ما يحس بلذة . فإن الأحوال والمواجيد لها لذة عظيمة ، أضعاف اللذة الحسية . فإن لذتها روحانية قلبية ، والمكاشفة العينية تغيب المكاشف عن إدراك تلك اللذة .
و « السمة » هي العلامة . فالمعنى : أن هذه المكاشفة لا تذر له علامة تدل على لذة .
قوله : « أو تلجىء إلى توقف » يعني : لا تذر له بقية تلجئه إلى وقفة . فإن البقية التي تبقى على السالك من نفسه : هي التي تلجئه إلى التوقف في سيره .
قوله : « ولا تنزل على رسم » أي لا تنزل هذه المكاشفة على من بقي فيه رسم حجاب بينه وبين هذه المكاشفة . فإنها بمنزلة نور الشمس . فلا تنزل في بيت عليه سقف حائل . فإن « الرسم » عند القوم هو الحجاب بينهم وبين مطلوبهم . و « الرسم » هو النفس وأحكامها وصفاتها . وهذه المكاشفة إذا قويت واستحكمت صارت مشاهدة . ولذلك قال : « وغاية هذه المكاشفة ؛ هو مقام المشاهدة » .
باب المشاهدة
قال صاحب المنازل :
( « باب المشاهدة ) قال اللّه تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
( 37 ) [ ق : 37 ] .
قلت : جعل اللّه سبحانه كلامه ذكرى ، لا ينتفع بها إلا من جمع هذه الأمور الثلاثة .
أحدها : أن يكون له قلب حيّ واع . فإذا فقد هذا القلب لم ينتفع بالذكرى .
الثاني : أن يصغي بسمعه . فيميله كله نحو المخاطب . فإن لم يفعل لم ينتفع بكلامه .
الثالث : أن يحضر قلبه وذهنه عند المكلم له . وهو « الشهيد » أي الحاضر غير الغائب . فإن غاب قلبه ، وسافر في موضع آخر : لم ينتفع بالخطاب .
وهذا كما أن المبصر لا يدرك حقيقة المرئي إلا إذا كانت له قوة مبصرة ، وحدّق بها نحو المرئي . ولم يكن قلبه مشغولا بغير ذلك . فإن فقد القوة المبصرة ، أو لم يحدق نحو المرئي ، أو حدق نحوه ولكن قلبه كله في موضع آخر : لم يدركه . فكثيرا ما يمر بك إنسان أو غيره ، وقلبك مشغول بغيره . فلا تشعر بمروره . فهذا الشأن يستدعي صحة القلب وحضوره ، وكمال الإصغاء .
قال الشيخ : « المشاهدة : سقوط الحجاب بتّا » أي قطعا . بحيث لا يبقى منه شيء ، و « المشاهدة » هي المسقطة للحجاب ، وهي التي تكون عند سقوط الحجاب ، وليست هي نفس سقوط الحجاب ، لكن عبر عن الشيء بلازمه ، فإن سقوط الحجاب يلازم حصول المشاهدة .
قوله « وهي فوق المكاشفة » هذا يدلك على أن مراد الشيخ - ومن وافقه من أهل الاستقامة -