أن أنكر على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأورث أصحابه احتقار المسلمين ، حتى سلّوا عليهم سيوفهم ، واستباحوا دماءهم .
وانظر إلى الشريب السكير . الذي كان كثيرا ما يؤتى به إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فيحده على الشراب ، كيف قامت به قوة إيمانه ويقينه ، ومحبته للّه ورسوله ، وتواضعه وانكساره للّه . حتى نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن لعنه « 1 » .
فظهر بهذا : أن طغيان المعاصي أسلم عاقبة من طغيان الطاعات .
وقد روى الإمام أحمد في كتاب « الزهد » « أن اللّه سبحانه أوحى إلى موسى صلى اللّه عليه وسلم : يا موسى ، أنذر الصديقين ، فإني لا أضع عدلي على أحد إلا عذبته ، من غير أن أظلمه . وبشر الخطائين .
فإنه لا يتعاظمني ذنب أن أغفره » فلنرجع إلى شرح كلامه .
قوله : « مكاشفة تدل على التحقيق الصحيح » كل يدعي : أن التحقيق الصحيح معه :
وكل يدعون وصال ليلى * وليلى لا تقرّ لهم بذاكا
إذا اشتبكت دموع في خدود * تبين من بكى ممن تباكى
فليس التحقيق الصحيح : إلا المطابق لما عليه الأمر في نفسه . وهو في العلم : الكشف المطابق لما أخبر به الرسل . وفي الإرادة ؛ الكشف المطابق لمراد الرب الديني من عبده . وقولنا « الديني » احتراز من مراده الكوني . فإن كل ما في الكون موجب هذه الإرادة .
فالكشف الصحيح : أن يعرف الحق الذي بعث اللّه به رسله ، وأنزل به كتبه ، معاينة لقلبه .
ويجرد إرادة القلب له . فيدور معه وجودا وعدما . هذا هو التحقيق الصحيح . وما خالفه فغرور قبيح .
قوله : « وهي لا تكون مستدامة » هكذا رأيته في نسخ . وفي أخرى : « وهي أن تكون مستديمة » وكأن هذا الثاني أصح . لأن سياق الكلام يدل على ذلك ، وأنها غير مستدامة في الدرجة الأولى . فإذا استدامت صارت في الدرجة الثانية . وبذلك يحصل الاختلاف بين الدرجتين . وإلا فلو كانت مستدامة فيهما لكانت الدرجتان واحدة .
قوله : « فإذا كانت حينا دون حين ، ولم يعارضها تفرق » .
يعني : فهي الدرجة الأولى ، بشرط أن لا يقطع حكمها تفرق . ولهذا قال : « لم يعارضها » ولم يقل : « لم يعرض لها » فإن التفرق لا بدّ أن يعرض ، لكن لا يعارضها ويقاومها بحيث يزيلها .
فإن العارض إذا عرض للقلب كرهه ومحاه وأزاله بسرعة .
وأما المعارض : فإنه يزيل الحاصل ويخلفه . فيصير الحكم له . فلذلك قال : « غير أن الغين ربما شاب مقامه ، على أنه قد بلغ مبلغا » إلى آخره .
يعني : أن لوازم البشرية لا بد له منها . ولو لم يكن إلا أخفها ، وهو الحجاب الرقيق الذي يعرض لقلبه ، وهو « الغين » لكنه لا يضره « لأنه قد بلغ مبلغا لا يلفته قاطع » أي لا توجب له القواطع التفات قلبه عن مقامه إليها ، بل إذا لحظها بقلبه فرّ منها ، كما يفر الظبي من الكلب
هامش
( 1 ) هو عياض بن حمار رضي اللّه عنه .