تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 794

مساهمون:

ص٧٩٤
الجهمية ، والمعطلة صرحوا بذلك . وقالوا : إن كمال هذا المشهد هو قصر النظر القلبي على عين الذات ، وتنزيهها عن الأعراض والأبعاض والأغراض والحدود والجهات . ومرادهم بالأعراض : الصفات التي تقوم بالحي ، كالسمع والبصر ، والقدرة والإرادة ، والكلام . فلا سمع له ولا بصر ، ولا إرادة ، ولا حياة ولا علم ، ولا قدرة . ومرادهم بالأبعاض : أنه لا وجه له ولا يدان ، ولم يخلق آدم بيده . ولا يطوي سماواته بيده ، ولا يقبض الأرض باليد الأخرى . ولا يمسك السماوات على إصبع ولا الأرضين على إصبع ، ولا الشجر على إصبع . ونحو ذلك مما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله الصادق صلى اللّه عليه وسلم . ومرادهم بالأغراض : أنه لا يفعل لحكمة ، ولا لعلة غائية ، ولا سبب لفعله . ولا غاية مقصودة . ومرادهم بالحدود والجهات : مسألة المباينة والعلو . وأنه غير بائن عن خلقه ، ولا مستو على عرشه ، ولا ترفع إليه الأيدي ، ولا تصعد إليه الأعمال ، ولا ينزل من عنده شيء ، ولا يصعد إليه شيء ، وليس فوق العرش إله يعبد ، ولا رب يصلى له ويسجد . بل ليس هناك إلا العدم المحض الذي هو لا شيء ! . فكمال الشهود عندهم : أن يشهد العبد ذاتا مجردة عن كل اسم ووصف ونعت . وشيخ الإسلام عدو هذه الطائفة . وهو بريء منهم براءة الرسل منهم . ولكن بقيت عليه مثل هذه البقية . وهي جعل مشهد « العين » و « الذات » فوق مشهد « الصفات » على أنه لا سبيل للقوى البشرية إلى شهود الذات الإلهية البتة . ولا يقع الشهود على تلك الحقيقة ، ولا جعل ذلك إليها . وإنما إليها شهود الصفات والأفعال . وأما حقيقة الذات والعين : فغير معلومة للبشرية . ولما سأل المشركون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن حقيقة ربه سبحانه : من أي شيء هو ؟ أنزل اللّه عز وجل :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) اللَّهُ الصَّمَدُ ( 2 ) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ( 3 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
( 4 ) [ الإخلاص : 1 - 4 ] ولذلك لما سأل فرعون موسى عن حقيقة ربه ، بقوله :
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
[ الشّعراء : 23 ] أجابه موسى بقوله :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا
[ الشّعراء : 24 ] إذ لا وصول للبشر إلى حقيقة ذاته . فدلهم على نفسه بصفاته الثبوتية ، من كونه « صمدا » وصفاته السلبية المتضمنة للثبوت من كونه
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ( 3 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
( 4 ) [ الإخلاص : 3 ، 4 ] لم يجعل لهم سبيلا إلى معرفة الذات والكنه . فما هذا الشهود العيني الذاتي الذي جعلتموه للمشاهد ، وجعلتموه فوق المكاشفة ، وجعلتم ولاية المكاشفة « النعت » وولاية المشاهدة « العين » ؟ . فاعلم أن مراد الشيخ - وأمثاله من العارفين أهل الاستقامة - : أن لا يقصر نظر القلب على صفة من الصفات ، بحيث يستغرق فيها وحدها ، بل يكون التفاته وشهوده واقعا على الذات الموصوفة بصفات الكمال ، المنعوتة بنعوت الجلال . فحينئذ يكون شهوده واقعا على الذات والصفات جميعا .