تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 790

مساهمون:

ص٧٩٠
الصائد إذا أحس به « ولا يلويه سبب » أي لا يعوج قصده للحق سبب من الأسباب ، ولا يرده عنه . قوله : « ولا يقطعه حظ » أي لا يقطعه عن بلوغ مقصوده حظ من الحظوظ النفسية . و « القاصد » في هذه الدرجة : هو الذي قد ظفر بالقصد الذي لا يلقى سببا إلا قطعه ، ولا حائلا إلا منعه ، ولا تحاملا إلا سهله . فهذه درجة القاصد . فإذا استدامت وتمكن فيها السالك فهي الدرجة الثانية . قال الشيخ : « وأما الدرجة الثالثة : فمكاشفة عين ، لا مكاشفة علم . وهي مكاشفة لا تذر سمة تشير إلى التذاذ ، أو تلجىء إلى توقف ، أو تنزل إلى رسم . وغاية هذه المكاشفة المشاهدة » . إنما كانت هذه الدرجة « مكاشفة عين » لغلبة نور الكشف على القلب ، فتنزلت هذه المكاشفة من القلب . وحلت منه محل العلم الضروري الذي لا يمكن جحده ولا تكذيبه . بل صارت للقلب بمنزلة المرئي للبصر ، والمسموع للأذن والوجدانيات للنفس . وكما أن المشاهدة بالبصر لا تصح إلا مع صحة القوة المدركة ، وعدم الحائل - من جسم أو ظلمة ، أو انتفاء البعد المفرط - فكذلك المكاشفة بالبصيرة تستلزم صحة القلب ، وعدم الحائل والشاغل ، وقرب القلب ممن يكاشفه بأسراره . وليس مراد الشيخ في هذا الباب : الكشف الجزئي المشترك بين المؤمنين والكفار ، والأبرار والفجار ، كالكشف عما في دار إنسان ، أو عما في يده ، أو تحت ثيابه ، أو ما حملت به امرأته ، بعد انعقاده ذكرا أو أنثى ، وما غاب عن العيان من أحوال البعد الشاسع ونحو ذلك . فإن ذلك يكون من الشيطان تارة ، ومن النفس تارة . ولذلك يقع من الكفار ، كالنصارى ، وعابدي النيران والصلبان . فقد كاشف ابن صياد النبي صلى اللّه عليه وسلم بما أضمره له وخبأه . فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنما أنت من إخوان الكهان » فأخبر أن ذلك الكشف من جنس كشف الكهان ، وأن ذلك قدره . وكذلك مسيلمة الكذاب - مع فرط كفره - كان يكاشف أصحابه بما فعله أحدهم في بيته وما قاله لأهله ؛ يخبره به شيطانه ، ليغوي الناس . وكذلك الأسود العنسي ، والحارث المتنبي الدمشقي الذي خرج في دولة عبد الملك بن مروان ، وأمثال هؤلاء ممن لا يحصيهم إلا اللّه . وقد رأينا نحن وغيرنا منهم جماعة . وشاهد الناس من كشف الرهبان عباد الصليب ما هو معروف . والكشف الرحماني من هذا النوع : هو مثل كشف أبي بكر لما قال لعائشة رضي اللّه عنهما : إن امرأته حامل بأنثى ، وكشف عمر رضي اللّه عنه لما قال : يا سارية الجبل « 1 » . وأضعاف هذا من كشف أولياء الرحمن . والمقصود : أن مراد القوم بالكشف في هذا الباب أمر وراء ذلك . وأفضله وأجله : أن يكشف للسالك عن طريق سلوكه ليستقيم عليها . وعن عيوب نفسه ليصلحها . وعن ذنوبه ليتوب منها .
هامش
( 1 ) كان سارية بن زنيم من قواد جيش عمر في بلاد العجم . فأخذت عمر وهو على المنبر سنة من النوم ، كوشف فيها بمكيدة دبرت لسارية وجيشه . فناداه وهو نائم كذلك بأن يلجأ إلى الجبل ، ويجعله وراء ظهره ، ويلزمه . وروي : أن سارية سمع ذلك النداء وأطاع الأمر . فسلم وسلم جيشه .