بالمكاشفة والمشاهدة : قوة اليقين ، ومزيد العلم ، وارتفاع الحجب المانعة من ذلك ، لا نفس معاينة الحقيقة . فإن المكاشفة لو كانت هي معاينة الحقيقة : لما كان فوقها مرتبة أخرى « 1 » ، وإنما كانت « المشاهدة » عنده فوق « المكاشفة » لما ذكره من قوله « لأن المكاشفة ولاية النعت ، وفيه شيء من بقايا الرسم ، والمشاهدة : ولاية العين والذات » .
يريد : أن « المكاشفة » تتعلق بالصفات الإلهية . فولايتها ولاية النعوت والأوصاف ، أي سلطانها وما يتعلق به : هو النعوت والصفات ، وسلطان « المشاهدة » وما يتعلق به : هو نفس الذات الجامعة للنعوت والصفات ، فلذلك كانت فوقها ، وأكمل منها .
والفرق بين ولاية « النعت » وولاية « العين والذات » أن النعت صفة . ومن شاهد الصفة فلا بد أن يشاهد متعلقاتها ، فإن النظر في متعلقاتها يكسبه التعظيم للمتصف بها ، فإن من شاهد العلم القديم الأزلي متعلقا بسائر المعلومات التي لا تتناهى - من واجب ، وممكن ، ومستحيل - ومن شاهد الإرادة الموجبة لسائر الإرادات على تنوعها - من الأفعال ، والأعيان ، والحركات ، والأوصاف التي لا تتناهى - وشاهد القدرة التي هي كذلك . وشاهد صفة الكلام ، الذي لو أنّ البحر يمدّه من بعده سبعة أبحر ، وأشجار العالم كلها أقلام يكتب بها كلام الرب جل جلاله ، لفنيت البحار ، ونفدت الأقلام . وكلام اللّه عز وجل لا ينفد ولا يفنى .
فمن شاهد الصفات كذلك ، وجال قلبه في عظمتها . فهو مشغول بالصفات ، ومتفرق قلبه في متعلقاتها وتنوعها في أنفسها ، بخلاف من قصر نظره على نفس الذات ، وشاهد قدمها وبقاءها ، واستغرق قلبه في عظمة تلك الذات ، بقطع النظر عن صفاتها ، فهو مشاهد للعين ، والأول مشاهد للصفات . فالأول في فرق . وهذا في جمع فمن استغرق قلبه في هذا المشهد استحق اسم « المشاهد » ووصف « المشاهدة » عند القوم ، إذا غاب عن إدراك رسمه ، وكل ما فيه من علم أو عمل أو حال . هذا تقرير كلامه .
وبعد . فإن « ولاية النعوت والصفات » التي جعلها دون « ولاية العين والذات » ليس الأمر فيها كما زعم ، بل لا نسبة بينهما البتة . فإن اللّه سبحانه وتعالى دعا عباده في كتبه الإلهية إلى الأول ، دون الثاني ، وبذلك نطقت كتبه ورسله . فهذا القرآن - من أوله إلى آخره - إنما يدعو الناس إلى النظر في صفات اللّه وأفعاله وأسمائه ، دون الذات المجردة . فإن الذات المجردة لا يلحظ معها وصف ، ولا يشهد فيها نعت ، ولا تدل على كمال ولا جلال ، ولا يحصل من شهودها إيمان ، فضلا عن أن يكون من أعلى مقامات العارفين .
ويا سبحان اللّه ! أين يقع شهود صفات الكمال ، وتنوعها وكثرتها ، وما تدل عليه من عظمة الموصوف بها ، وجلاله وكماله ، وأنه ليس كمثله شيء في كماله ، لكثرة أوصافه ونعوته وأسمائه ، وامتناع أضدادها عليه ، وثبوتها له على أكمل الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه ما - من شهود ذات قد غاب مشاهدها عن كل صفة ونعت واسم ؟ ! .
فبين هذين المشهدين من التفاوت ما لا يحصيه إلا اللّه ، وهذا هو مشهد من تألّه وفني من
هامش
( 1 ) إن لهم تعبيرات اصطلاحية موروثة عن أسلافهم من الهنود والفرس من أزمان متقادمة - على غير سنن الكلام العربي والشرعي .