ولا ريب أن هذا فوق مشهد الصفة الواحدة أو الصفات .
ولكن يقال : الشهود لا يقع على الصفة المجردة ، ولا يصح تجردها في الخارج ولا في الذهن ، بل متى شهد الصفة شهد قيامها بالموصوف ولا بد ، فما هذا الشهود الذاتي الذي هو فوق الشهود الوصفي ؟ .
والأمر يرجع إلى شيء واحد . وهو أن من كان بصفات اللّه أعرف . ولها أثبت ، ومعارض الإثبات منتف عنده - كان أكمل شهودا . ولهذا كان أكمل الخلق شهودا من قال : « لا أحصي ثناء عليك . أنت كما أثنيت على نفسك » ولكمال معرفته بالأسماء والصفات : استدل بما عرفه منها على أن الأمر فوق ما أحصاه وعلمه .
فمشهد الصفات : مشهد الرسل والأنبياء وورثتهم ، وكل من كان بها أعرف كان باللّه أعلم .
وكان مشهده بحسب ما عرف منها . وليس للعبد في الحقيقة مشاهدة ولا مكاشفة ، لا للذات ولا للصفات . أعني مشاهدة عيان وكشف عيان . وإنما هو مزيد إيمان وإيقان .
ويجب التنبه والتنبيه هاهنا على أمر وهو : أن المشاهدة نتائج العقائد ، فمن كان معتقده ثابتا في أمر من الأمور ، فإنه إذا صفت نفسه وارتاضت ، وفارقت الشهوات والرذائل ، وصارت روحانية : تجلت لها صورة معتقدها كما اعتقدته . وربما قوي ذلك التجلي حتى يصير كالعيان ، وليس به . فيقع الغلط من وجهين :
أحدهما : ظن أن ذلك ثابت في الخارج ، وإنما هو في الذهن ، ولكن لما صفا الارتياض « 1 » وانجلت عنه ظلمات الطبع ، وغاب بمشهوده عن شهوده . واستولت عليه أحكام القلب ، بل أحكام الروح - ظن أنه الذي ظهر له في الخارج ، ولا تأخذه في ذلك لومة لائم . ولو جاءته كل آية في السماوات والأرض ، وذلك عنده بمنزلة من عاين الهلال ببصره جهرة . فلو قال له أهل السماوات والأرض : لم تره . لم يلتفت إليهم .
ولعمر اللّه إنا لا نكذبه فيما أخبر به عن رؤيته ، ولكن إنما نوقن أنه إنما رأى صورة معتقده في ذاته ونفسه ، لا الحقيقة في الخارج . فهذا أحد الغلطين .
وسببه : قوة ارتباط حاسة البصر بالقلب . فالعين مرآة القلب شديدة الاتصال به ، وتنضم إلى ذلك قوة الاعتقاد ، وضعف التمييز ، وغلبة حكم الهوى والحال على العلم . وسماعه من القوم : أن العلم حجاب .
والغلط الثاني : ظن أن الأمر كما اعتقده ، وأن ما في الخارج مطابق لاعتقاده .
فيتولد من هذين الغلطين مثل هذا الكشف والشهود « 2 » .
ولقد أخبر صادق الملاحدة ، القائلين بوحدة الوجود : أنهم كشف لهم أن الأمر كما قالوه .
هامش
( 1 ) رياضتهم بالجوع وتعذيب النفس بتكليفها من الآصار والأغلال والرهبانية : ما يضاد الطبع والفطرة البشرية .
فلذلك يحصل لها في تلك الحال خيالات وهمية هسترية ، تمكن الشيطان من أن يقنعها بأنها حقائق . ولو كانت رياضات تصفي النفوس لهدى اللّه إليها أحب خلقه إليه وخاتم رسله صلى اللّه عليه وسلم وعلى آله .
( 2 ) كان الأولى أن يقال : مثل هذا الكذب والتضليل والتمويه على الأغنام .