تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 791

مساهمون:

ص٧٩١
فما أكرم اللّه الصادقين بكرامة أعظم من هذا الكشف ، وجعلهم منقادين له عاملين بمقتضاه . فإذا انضم هذا الكشف إلى كشف تلك الحجب المتقدمة عن قلوبهم : سارت القلوب إلى ربها سير الغيث إذا استدبرته الريح . فلنرجع إلى شرح كلامه . فقوله : « الدرجة الثالثة : مكاشفة عين ، لا مكاشفة علم » أي متعلق هذه المكاشفة عين الحقيقة ، بخلاف مكاشفة العلم . فإن متعلقها الصورة الذهنية المطابقة للحقيقة الخارجية . فكشف العلم : أن يكون مطابقا لمعلومه . وكشف العيان : أن يصير المعلوم مشاهدا للقلب ، كما تشاهد العين المرئي . ومن ظن من القوم أن « كشف العين » ظهور الذات المقدسة لعيانه حقيقة : فقد غلط أقبح الغلط . وأحسن أحواله : أن يكون صادقا ملبوسا عليه . فإن هذا لم يقع في الدنيا لبشر قط . وقد منع منه كليم الرحمن صلى اللّه عليه وسلم . وقد اختلف السلف والخلف : هل حصل هذا لسيد ولد آدم صلوت اللّه وسلامه عليه ؟ فالأكثرون على أنه لم ير اللّه سبحانه ، وحكاه عثمان بن سعيد الدارمي إجماعا من الصحابة . فمن ادعى كشف العيان البصري عن الحقيقة الإلهية فقد وهم وأخطأ ، وإن قال : إنما هو كشف العيان القلبي ، بحيث يصير الرب سبحانه كأنه مرئي للعبد ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « اعبد اللّه كأنك تراه » فهذا حق . وهو قوة يقين ، ومزيد علم فقط . نعم قد يظهر له نور عظيم . فيتوهم أن ذلك نور الحقيقة الإلهية ، وأنها قد تجلت له ، وذلك غلط أيضا . فإن نور الرب تعالى لا يقوم له شيء . ولما ظهر للجبل منه أدنى شيء ساخ الجبل وتدكدك . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
[ الأنعام : 103 ] قال « ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى به لم يقم له شيء » . وهذا النور الذي يظهر للصادق : هو نور الإيمان الذي أخبر اللّه عنه في قوله :
مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ
[ النّور : 35 ] قال أبي بن كعب « مثل نوره في قلب المؤمن » فهذا نور يضاف إلى الرب . ويقال : هو نور اللّه . كما أضافه اللّه سبحانه إلى نفسه . والمراد : نور الإيمان الذي جعله اللّه له خلقا وتكوينا ، كما قال تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
[ النّور : 40 ] فهذا « النور » إذا تمكن من القلب ، وأشرق فيه : فاض على الجوارح . فيرى أثره في الوجه والعين . ويظهر في القول والعمل . وقد يقوى حتى يشاهده صاحبه عيانا . وذلك لاستيلاء أحكام القلب عليه ، وغيبة أحكام النفس . والعين شديدة الارتباط بالقلب ، تظهر ما فيه . فتقوى مادة النور في القلب ويغيب صاحبه بما في قلبه عن أحكام حسه . بل وعن أحكام العلم . فينتقل من أحكام العلم إلى أحكام العيان . وسر المسألة : أن أحكام الطبيعة والنفس شيء ، وأحكام القلب شيء ، وأحكام الروح شيء ، وأنوار العبادات شيء ، وأنوار استيلاء معاني الصفات والأسماء على القلب شيء . وأنوار الذات المقدسة شيء وراء ذلك كله . فهذا الباب يغلط فيه رجلان . أحدهما : غليظ الحجاب ، كثيف الطبع . والآخر : قليل