الخامس : حجاب أهل الكبائر الباطنة ، كحجاب أهل الكبر والعجب والرياء والحسد ، والفخر والخيلاء ونحوها .
السادس : حجاب أهل الكبائر الظاهرة ، وحجابهم أرق من حجاب إخوانهم من أهل الكبائر الباطنة ، مع كثرة عباداتهم ، وزهاداتهم واجتهاداتهم . فكبائر هؤلاء أقرب إلى التوبة من كبائر أولئك . فإنها قد صارت مقامات لهم لا يتحاشون من إظهارها وإخراجها في قوالب عبادة ومعرفة . فأهل الكبائر الظاهرة : أدنى إلى السلامة منهم . وقلوبهم خير من قلوبهم .
السابع : حجاب أهل الصغائر .
الثامن : حجاب أهل الفضلات ، والتوسع في المباحات .
التاسع : حجاب أهل الغفلة عن استحضار ما خلقوا له وأريد منهم ، وما للّه عليهم من دوام ذكره وشكره وعبوديته .
العاشر : حجاب المجتهدين السالكين ، المشمرين في السير عن المقصود .
فهذه عشرة حجب بين القلب وبين اللّه سبحانه وتعالى ، تحول بينه وبين هذا الشأن . وهذه الحجب تنشأ من أربعة عناصر : عنصر النفس ، وعنصر الشيطان ، وعنصر الدنيا ، وعنصر الهوى .
فلا يمكن كشف هذه الحجب مع بقاء أصولها وعناصرها في القلب البتة .
وهذه الأربعة العناصر : تفسد القول ، والعمل ، والقصد ، والطريق ، بحسب غلبتها وقلتها .
فتقطع طريق القول والعمل والقصد أن يصل إلى القلب . وما وصل منه إلى القلب قطعت عليه الطريق أن يصل إلى الرب . فبين القول والعمل وبين القلب مسافة يسافر فيها العبد إلى قلبه ليرى عجائب ما هنالك . وفي هذه المسافة قطاع الطريق المذكورون . فإن حاربهم وخلص العمل إلى قلبه دار فيه ، وطلب النفوذ من هناك إلى اللّه ، فإنه لا يستقر دون الوصول إليه :
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
( 42 ) [ النّجم : 42 ] فإذا وصل إلى اللّه سبحانه أثابه عليه مزيدا في إيمانه ويقينه ، ومعرفته وعقله . وجمّل به ظاهره وباطنه . فهداه به لأحسن الأخلاق والأعمال . وصرف عنه به سيىء الأخلاق والأعمال . وأقام اللّه سبحانه من ذلك العمل للقلب جندا يحارب به قطاع الطريق للوصول إليه ، فيحارب الدنيا بالزهد فيها ، وإخراجها من قلبه ، ولا يضره أن تكون في يده وبيته ، ولا يمنع ذلك من قوة يقينه بالآخرة . يحارب الشيطان بترك الاستجابة لداعي الهوى . فإن الشيطان مع الهوى لا يفارقه . ويحارب الهوى بتحكيم الأمر المطلق ، والوقوف معه ، بحيث لا يبقى له هوى فيما يفعله ويتركه . ويحارب النفس بقوة الإخلاص .
هذا كله إذا وجد العمل منفذا من القلب إلى الرب سبحانه وتعالى . وإن دار فيه ولم يجد منفذا وثبت عليه النفس ، فأخذته وصيرته جندا لها . فصالت به وعلت وطغت . فتراه أزهد ما يكون ، وأعبد ما يكون ، وأشده اجتهادا ، وهو أبعد ما يكون عن اللّه . وأصحاب الكبائر أقرب قلوبا إلى اللّه منه ، وأدنى منه إلى الإخلاص والخلاص .
فانظر إلى السجّاد العبّاد . الزاهد الذي بين عينيه أثر السجود « 1 » . كيف أورثه طغيان عمله :
هامش
( 1 ) هو ذو الخويصرة التميمي الخارجي ، عامله اللّه بعدله ، وأذاقه ما هو أهله ، وهو الذي قاد الخوارج يوم النهروان لحرب علي رضي اللّه عنه .