بذلك ، وارتفع عنه حجاب النفس ، وانقشع عنه ضبابها ودخانها وكشطت عنه سحبها وغيومها ، فهناك يقال له :
بذلك سرّ طال عنك اكتتامه * ولاح صباح كنت أنت ظلامه
فأنت حجاب القلب عن سر غيبه * ولولاك لم يطبع عليه ختامه
فإن غبت عنه حلّ فيه وطنّبت * على منكب الكشف المصون خيامه
وجاء حديث لا يملّ سماعه * شهيّ إلينا نثره ونظامه
إذا ذكرته النفس زال عناؤها * وزال عن القلب الكئيب قتامه
فلذلك قال الشيخ : « وهي في هذا الباب : بلوغ ما وراء الحجاب وجودا » .
قوله : « وجودا » احتراز من بلوغه سماعا وعلما . وكثيرا ما يلتبس على العبد أحدهما بالآخر . فأين وجود الحقيقة من العلم بها ومعرفتها ؟ كما تقدم ذلك مرارا . فتعلق العلم بالقلب شيء . واتصافه بالمعلوم شيء آخر .
فمن الناس من يتعلق به سماع ذلك دون فهمه . ومنهم من يتعلق به فهمه دون حقيقته .
والتعلق الكامل : أن يتعلق به وجوده ، فلذلك قال : « بلوغ ما وراء الحجاب وجودا » .
درجات المكاشفة
قال الشيخ : « وهي على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : مكاشفة تدل على التحقيق الصحيح . وهي لا تكون مستدامة . فإذا كانت حينا دون حين ، ولم يعارضها تفرق ، غير أن الغين ربما شاب مقامه ، على أنه قد بلغ مبلغا لا يلفته قاطع . ولا يلويه سبب ، ولا يقتطعه حظ . وهي درجة القاصد . فإذا استدامت فهي الدرجة الثانية » .
« المكاشفة » الصحيحة : علوم يحدثها الرب سبحانه وتعالى في قلب العبد . ويطلعه بها على أمور تخفى على غيره . وقد يواليها وقد يمسكها عنه بالغفلة عنها ، ويواريها عنه بالغين الذي يغشى قلبه . وهو أرق الحجب ، أو بالغيم . وهو أغلظ منه ، أو بالرّان . وهو أشدها .
فالأول : يقع للأنبياء عليهم السلام . كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنه ليغان على قلبي ، وإني لأستغفر اللّه أكثر من سبعين مرة » .
والثاني : يكون للمؤمنين . والثالث : لمن غلبت عليه الشقوة . قال اللّه تعالى :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
( 14 ) [ المطفّفين : 14 ] قال ابن عباس وغيره : هو الذنب بعد الذنب يغطّي القلب ، حتى يصير كالرّان عليه .
والحجب عشرة : الأول : حجاب التعطيل ، ونفي حقائق الأسماء والصفات . وهو أغلظها .
فلا يتهيأ لصاحب هذا الحجاب أن يعرف اللّه ، ولا يصل إليه البتة إلا كما يتهيأ للحجر أن يصعد إلى فوق .
الثاني : حجاب الشرك ، وهو أن يتعبد قلبه لغير اللّه .
الثالث : حجاب البدعة القوليّة ، كحجاب أهل الأهواء ، والمقالات الفاسدة على اختلافها .
الرابع : حجاب البدعة العملية . كحجاب أهل السلوك المبتدعين في طريقهم وسلوكهم .