تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 786

مساهمون:

ص٧٨٦
وقولنا : « إذا كشفت الحجاب » إخبار عن محل العبودية ، وإلا فكشفه ليس بيدك . ولا أنت الكاشف له . فإن يمسسك اللّه بضر فلا كاشف له إلا هو . ومن أعظم الضر : حجاب القلب عن الرب . وهو أعظم عذابا من الجحيم ، قال تعالى :
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ( 15 ) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ
( 16 ) [ المطفّفين : 15 ، 16 ] . قوله : « لابسا نور الوجود » المعنى الصحيح من هذه اللفظة : أن « نور الوجود » نور ظفره بإقبال قلبه على اللّه عز وجل ، وجمع همه عليه ، وفنائه بمراده عن مراد نفسه . فصار واجدا لما أكثر الخلق فاقد له . قد لبس قلبه نور ذلك الوجود حتى فاض على لسانه وجوارحه ، وحركاته وسكناته . فإن نطق علاه النور وإن سكت علاه النور . وأخص من هذا : أنه قد فاض على قلبه نور اليقين بالأسماء والصفات . فصار لقلبه من معرفتها والإيمان بها ، وذوق حلاوة ذلك : نور خاص ، غير مجرد نور العبادة ، والإرادة والسلوك . وإياك أن تلتفت إلى غير هذا
فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
[ النّحل : 94 ] . وليس مراد الشيخ بالوجود ما يريده المتكلمون والفلاسفة ، ولا ما يريده الاتحادية الملاحدة . وإنما مراده به : الوجدان بعد الفقد . كما يقال : فلان واجد . وفلان فاقد . واللّه أعلم .

باب المكاشفة

قال صاحب المنازل : « ( باب المكاشفة ) قال اللّه تعالى :
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
( 10 ) [ النّجم : 10 ] . وجه احتجاجه بإشارة الآية : أن اللّه سبحانه كشف لعبده صلى اللّه عليه وسلم ما لم يكشفه لغيره . وأطلعه على ما لم يطلع عليه غيره . فحصل لقلبه الكريم من انكشاف الحقائق التي لا تخطر ببال غيره ما خصه اللّه به . و « الإيحاء » هو الإعلام السريع الخفي . ومنه « الوحا ، الوحا » أي الإسراع الإسراع . قوله : « ما أوحى » أبهمه لعظمه . فإن الإبهام قد يقع للتعظيم ؛ ونظيره قوله تعالى :
فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ
[ طه : 78 ] أي أمر عظيم فوق الصفة . قال الشيخ : « المكاشفة : مهاداة السر بين متباطنين » يريد : أن « المكاشفة » اطلاع أحد المتحابين المتصافيين صاحبه على باطن أمره وسره . قوله : « مهاداة السر » أي تردد السر على وجه الألطاف والمودة . قوله : « بين متباطنين » يعني بالمتباطنين : باطن المكاشف والمكاشف ، فيحمل سر كل منهما إلى الآخر ، كما يحمل إليه هديته . فيسري سر كل واحد منهما إلى الآخر . وإذا بلغ العبد في مقام المعرفة إلى حد كأنه يطالع ما اتصف به الرب سبحانه من صفات الكمال ، ونعوت الجلال . وأحست روحه بالقرب الخاص الذي ليس هو كقرب المحسوس من المحسوس ، حتى يشاهد رفع الحجاب بين روحه وقلبه وبين ربه . فإن حجابه هو نفسه . وقد رفع اللّه سبحانه عنه ذلك الحجاب بحوله وقوته : أفضى القلب والروح حينئذ إلى الرب . فصار يعبده كأنه يراه . فإذا تحقق