« والحضرة » يراد بها حضرة الجمع . وعندي : أنها حضرة دوام المراقبة والتمكن من مقام الإحسان . هذه حضرة الأنبياء والعارفين .
وأما حضرة الجمع - التي يشيرون إليها - فكل فرقة تشير إلى شيء . فأهل « الفناء » يريدون حضرة جمع الفناء في توحيد الربوبية . وأهل الإلحاد : يريدون حضرة جمع الوجود في وجود واحد « 1 » ، وطائفة من السالكين يريدون حضرة جمع الأسماء والصفات في ذات واحدة .
وإذا فسرت بحضرة دوام المراقبة والتمكن في مقام الإحسان كان ذلك أحسن وأصح .
وصاحب هذه الحضرة - لدوام مراقبته - قد انقشعت عنه سحب الغفلات ، ولم تشغله عن تلك الحضرة الشواغل الملهيات .
قوله : « فوق حجب الطلب » يعني : أن العارف قد ارتفع عن مقام الطلب للمعرفة إلى مقام حصولها . والطالب للأمر دون الواصل إليه . فالطالب بعد في حجاب طلبه . والعارف قد ارتفع فوق حجاب الطلب بما شاهده من الحقيقة ، فالطالب شيء ، والواجد شيء .
وهذا كلام يحتاج إلى شرح وبيان . فإن الطلب لا يفارق العبد ، ما دامت أحكام العبودية تجري عليه . ولكنه متنقل في منازل الطلب . ينتقل من عبودية إلى عبودية ، والمعبود واحد جل وعلا ، لا ينتقل عنه . فكيف يمكن تجرد المعرفة عن الطلب ؟ .
هذا موضع زلت فيه أقدام . وضلت فيه أفهام . وظن المخدوعون المغرورون : أنهم قد استغنوا بالمعرفة عن الطلب ، وأن الطلب وسيلة والمعرفة غاية . ولا معنى للاشتغال بالوسيلة بعد الوصول إلى الغاية .
فهؤلاء خرجوا عن الدين بالكلية ، بعد أن شمروا في السير فيها « 2 » . فردّوا على أدبارهم .
ونكصوا على أعقابهم . ولم يفهموا مراد أهل الاستقامة بذكر « حجب الطلب » .
واعلم أن كل ما منك حجاب على مطلوبك . فإن وقفت معه فأنت دون الحجاب . وإن قطعته إلى تجريد المطلوب صرت فوق الحجاب . فطلبك وإرادتك وتوكلك ، وحالك وعملك :
كله حجاب . إن وقفت معه ، أو ركنت إليه . وإن جاوزته إلى الذي أنت به وله ، وفي يديه ، وتحت تصرفه ومشيئته . وليس لك ذرة واحدة إلا به ومنه . ولم تقف مع طلبك في إرادتك : فقد صرت فوق حجاب الطلب .
ففي الحقيقة : أنت حجاب قلبك عن ربك . فإذا كشفت الحجاب عن القلب أفضى إلى الرب . ووصل إلى الحضرة المقدسة .
هامش
( 1 ) حضرة الفناء ، وحضرة جمع الوجود في وجود واحد : شيء واحد . وحقيقة « الفناء » فناء العبد في الرب .
فيكون هو هو .
( 2 ) إنما جدوا وشمروا في طاعة شياطينهم على طريق الأهواء والبدع ، وإلا فمن جد وشمر متحريا طاعة اللّه ورسوله ؛ صادق القصد ، خالص النية ، مؤمنا محتسبا ، يسير على هدى وبصيرة على صراط اللّه المستقيم .
فاللّه يقول :وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ( 17 ) لأنهم تحروا الوقوف والسير مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم خطوة خطوة . فهم على نور من ربهم وهدى . فإن مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون .