تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 784

مساهمون:

ص٧٨٤
ورسوله : من خالفه في المقصود والطريق . وهم أهل الشرك بالمعبود ، والبدعة في العبادة . ومنهم من وافقه في المقصود ، وخالفه في الطريق . ومنهم من وافقه في الطريق وخالفه في المقصود . فمن كان مراده اللّه ، والدار الآخرة : فقد وافقه في المقصود . فإن عبد اللّه بما به أمر على لسان رسوله صلى اللّه عليه وسلم : فقد وافقه في الطريق . وإن عبده بغير ذلك : فقد خالفه في الطريق . ومن كان مقصوده - من أهل العلم ، والعبادة ، والزهد في الدنيا - الرياسة ، فقد خالفه في المقصود . وإن تقيد بالأمر . فإن لم يتقيد به ، فقد خالفه في المقصود والطريق . فإذا عرف هذا ، فقول الشيخ « تمكن المريد : أن يجتمع له صحة قصد يسيره » إشارة إلى صحة القصد . وقوله : « ولمع شهود يحمله » إشارة إلى معرفة المقصود ، وقوة اليقين . فيحصل لقلبه كشف يحمله على سلوكه . فإن السالك إذا كشف له عن مقصوده - حتى كأنه يعاينه - جدّ في طلبه ، وذهبت عنه رخص الفتور . وقوله « وسعة طريق تروحه » إشارة إلى صحة طريقه . وذلك بأمرين : بسعتها حتى لا تضيق عليه ، فيعجز عن سلوكها . وباستقامتها حتى لا يزيغ عنها إلى غيرها . فإن طريق الحق واسعة مستقيمة ، وطرق الباطل ضيقة معوجة . وهذا يدل على رسوخ الشيخ في العلم . ووقوفه مع السنة ، وفقهه في هذا الشأن « 1 » . قال : « الدرجة الثانية : تمكّن السالك . وهو أن يجتمع له صحة انقطاع ، وبرق كشف . وضياء حال » . هذه الدرجة أتم مما قبلها . فإن تلك تمكن في تصحيح قصد الأعمال . وهذه تمكن في حال التمكن . والتمكن في الحال أبلغ من التمكن في القصد . ويريد بصحة الانقطاع : انقطاع قلبه عن الأغيار . وتعلقه بالشواغل الموجبة للأكدار . ومع ذلك فقد حصل لقلبه « برق كشف » يجعل الإيمان له كالعيان . ومع ذلك فحاله مع اللّه صاف من معارضات السوى . فلا يعارض كشفه شبهة . ولا همته إرادة . بل هو متمكن في انقطاعه وشهوده وحاله . قال : « الدرجة الثالثة : تمكّن العارف . وهو أن يحصل في الحضرة فوق حجب الطلب . لابسا نور الوجود » . « العارف » فوق السالك . ولا يفارقه السلوك ، لكنه مع السلوك قد ظفر بالمعرفة . فأخذ منها اسما أخص من اسم السالك . وهكذا الشأن في سائر المقامات والأحوال . فإنها لا تفارق من ترقى فيها ، ولكن إذا ترقى في مقام أخذ اسمه . وكان أحق به مع ثبوت الأول له .
هامش
( 1 ) هذا إذا صح تأويل كلامه على ما أولت . أما إذا فهم على مراد القوم - وقد نطقت الدرجة الثالثة في كل بذلك - فهيهات .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 784 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى