تعريف التمكن
قال الشيخ : « التمكن : فوق الطمأنينة . وهو الإشارة إلى غاية الاستقرار » .
« التمكن » هو القدرة على التصرف في الفعل والترك . ويسمى « مكانة » أيضا ، قال اللّه تعالى :
قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ
[ الزّمر : 39 ، الأنعام : 135 ] .
وأكثر ما يطلق في اصطلاح القوم : على من انتقل إلى مقام « البقاء » بعد « الفناء » وهو الوصول عندهم . وحقيقته : ظفر العبد بنفسه . وهو أن تتوارى عنه أحكام البشرية بطلوع شمس الحقيقة ، واستيلاء سلطانها . فإذا دامت له هذه الحال - أو غلبت عليه - فهو صاحب تمكين .
قال صاحب المنازل : « التمكن : فوق الطمأنينة . وهو الإشارة إلى غاية الاستقرار » إنما كان فوق « الطمأنينة » لأنها تكون مع نوع من المنازعة . فيطمئن القلب إلى ما يسكنه . وقد يتمكن فيه وقد لا يتمكن . ولذلك كان « التمكن » هو غاية الاستقرار . وهو تفعّل من المكان . فكأنه قد صار مقامه مكانا لقلبه قد تبوأه منزلا ومستقرا .
درجات التمكن
قال : « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : تمكن المريد . وهو أن يجتمع له صحة قصد يسيّره ، ولمع شهود يحمله ، وسعة طريق تروّحه » .
« المريد » في اصطلاحهم : هو الذي قد شرع في السير إلى اللّه . وهو فوق العابد ، ودون الواصل . وهذا اصطلاح بحسب حال السالكين . وإلا فالعابد مريد ، والسالك مريد ، والواصل مريد . فالإرادة لا تفارق العبد ما دام تحت حكم العبودية .
وقد ذكر الشيخ للتمكن في هذه الدرجة ثلاثة أمور « صحة قصد ، وصحة علم ، وسعة طريق » فبصحة القصد : يصح سيره ، وبصحة العلم : تنكشف له الطريق . وبسعة الطريق : يهون عليه السير . وكل طالب أمر من الأمور فلا بدّ له من تعين مطلوبه . وهو المقصود . ومعرفة الطريق الموصل إليه ، والأخذ في السلوك . فمتى فاته واحد من هذه الثلاث : لم يصح طلبه ولا سيره . فالأمر دائر بين مطلوب يتعين إيثاره على غيره ، وطلب يقوم بقصد من يقصده ، وطريق توصل إليه .
فإذا تحقق العبد بطلب ربه وحده : تعين مطلوبه . فإذا بذل جهده في طلبه : صح له طلبه .
فإذا تحقق باتباع أوامره ، واجتناب نواهيه : صح له طريقه . وصحة القصد والطريق موقوفة على صحة المطلوب وتعينه .
فحكم القصد يتلقّى من حكم المقصود . فمتى كان المقصود أهلا للإيثار : كان القصد المتعلق به كذلك . فالقصد والطريق تابعان للمقصود .
وتمام العبودية : أن يوافق الرسول صلى اللّه عليه وسلم في مقصوده وقصده وطريقه . فمقصوده : اللّه وحده .
وقصده : تنفيذ أوامره في نفسه وفي خلقه . وطريقه : اتباع ما أوحي إليه . فصحبه الصحابة رضي اللّه عنهم على ذلك حتى لحقوا به . ثم جاء التابعون لهم بإحسان ، فمضوا على آثارهم .
ثم تفرقت الطرق بالناس ، فخيار الناس : من وافقه في المقصود والطريق . وأبعدهم عن اللّه