تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 782

مساهمون:

ص٧٨٢
وللملحد هاهنا مجال ، حيث يظن : أن الذاكر والمذكور والذكر ، والعارف والمعروف والمعرفة ، والمحب والمحبوب والمحبة : من عين واحدة . لا بل ذلك هو العين الواحدة ، وأن الذي عرف اللّه وأحبه هو اللّه نفسه ، وإن تعددت مظاهره . فالظاهر فيها واحد . ظهر بوجوده العيني فيها . فوجودها عين وجوده . ووجوده فاض عليها . وهذا أكفر من كل كفر . وأعظم من كل إلحاد . والموحدون يقولون : إنما فاض عليها إيجاده لا وجوده . فظهر فيها فعله ، بل أثر فعله ، لا ذاته ولا صفاته . فقامت به فقرا إليه واحتياجا . لا وجودا وذاتا . وأقامها بمشيئته وربوبيته . لا بظهوره فيها . ولقد لحظ ملاحدة الاتحادية أمرا اشتبه عليهم في وحدة الموجد بوحدة الوجود ، وتوحيد الذات والصفات والأفعال بتوحيد الوجود . وفيضان جوده بفيضان وجوده . فوحدوا الوجود . وزعموا أنه هو المعبود . فصاروا عبيد الوجود المطلق الذي لا وجود له في غير الأذهان « 1 » . وعبيد الموجودات الخارجة في الأعيان ، فإن وجودها عندهم : هو المسمى باللّه ، تعالى اللّه عن هذا الإلحاد الذي
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا
( 90 ) [ مريم : 90 ] وسبحان من هو فوق سماواته على عرشه ، بائن من خلقه بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله . أين حقيقة المخلوق من الماء المهين ، من ذات رب العالمين ؟ أين المكوّن من تراب ، من رب الأرباب ؟ أين الفقير بالذات ، إلى الغني بالذات ؟ أين وجود من يضمحل وجوده ويفوت ، إلى حقيقة وجود الحي الذي لا يموت ؟
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ( 22 ) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 23 ) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[ الحشر : 22 - 24 ] .

باب التمكن

قال صاحب المنازل : « ( باب التمكن ) قال اللّه تعالى :
وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ
[ الرّوم : 60 ] » . وجه استدلاله بالآية : في غاية الظهور . وهو أن المتمكن لا يبالي بكثرة الشواغل . ولا بمخالطة أصحاب الغفلات ، ولا بمعاشرة أهل البطالات . بل قد تمكن بصبره ويقينه عن استفزازهم إيّاه ، واستخفافهم له . ولهذا قال تعالى :
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
[ الرّوم : 60 ] فمن وفّى الصبر حقه ، وتيقن أن وعد اللّه حق : لم يستفزه المبطلون ، ولم يستخفه الذين لا يوقنون . ومتى ضعف صبره ويقينه - أو كلاهما - استفزه هؤلاء . واستخفه هؤلاء . فجذبوه إليهم بحسب ضعف قوة صبره ويقينه . فكلما ضعف ذلك منه : قوي جذبهم له . وكلما قوي صبره ويقينه : قوي انجذابه منهم وجذبه لهم .
هامش
( 1 ) بل في وهمهم المظلم وخيالهم الشيطاني . ولن يكون في ذهن عاقل بصير .