تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 781

مساهمون:

ص٧٨١
فهما آفتان للسالك . فإنه إما أن يجرد عزمه وهمته . فينظر إلى ما منه ، وأن همته وعزيمته تحمله وتقوم به . وإما أن يترخص برخص تفتّر عزمه وهمته . فكمال جده وصدقه وصحة طلبه : يخلصه من رخص الفتور ، وكمال توحيده ، ومعرفته بربه ونفسه : يخلصه من علل السعي . قال : « الدرجة الثالثة : غيبة العارف عن عيون الأحوال والشواهد ، والدرجات في عين الجمع » . إنما كانت هذه الدرجة عنده أعلى على طريقته في كون الفناء غاية الطالب . وهذه الدرجة هي غيبته عن خيرات ومقامات بما هو أكمل منها ، وأشرف عنده . وهو حضرة الجمع . ومعنى « غيبته عن عيون الأحوال » هو أن لا يرى الأحوال ولا تراه ، فلذلك استعار لها عيونا ، لأن الأحوال تقتضي وجدا وموجودا ووجدانا . وهذا ينافي الفناء في حضرة الجمع . فإن الجمع يمحو أثر الرسوم . وقد عرفت مرارا أن هذا ليس بكمال ، ولا هو مطلوب لنفسه . وغيره أكمل منه . وأما « غيبته عن الشواهد » فقد يريد بها : شواهد المعرفة وأدلتها . فيغيب بمعروفه عن الشواهد الدالة عليه في الخارج وفي نفسه . وقد يريد بالشواهد : الأسماء والصفات ، والغيبة عنها بشهود الذات . ولكن هذا ليس بكمال ، ولا هو أعلى من شهود الأسماء والصفات ، بل هذا الشهود هو شهود المعطلة المنكرين لحقائق الأسماء والصفات ، فإنهم ينتهون في فنائهم إلى شهود ذات مجردة . ومن هاهنا دخل الملاحدة القائلون بوحدة الوجود . وجعلوا شهود نفس الوجود - المجرد عن التقييدات ، وعن سائر الأسماء والصفات - هو شهود الحقيقة . تعالى اللّه عن كفرهم وإلحادهم علوا كبيرا . وشيخ الإسلام براء من هؤلاء ومن شهودهم . ومراد أهل الاستقامة بذلك « 1 » : أن يشهد الذات الجامعة لجميع معاني الأسماء الحسنى ، والصفات العلى . فيغيبه شهوده لهذه الذات المقدسة عن شهود صفة واسم . فالشواهد : هي الأفعال الدالة على الصفات المستلزمة للذات . وشواهد المعرفة : هي الأدلة التي حصلت عنها المعرفة . فإذا طواها الشاهد من وجوده ، وشهد أنه ما عرف اللّه إلا به ، ولا دل عليه إلا هو : غابت عنه شواهده في مشهوده ، كما تغيب معارفه في معروفه . وبكل حال فما عرف اللّه إلا باللّه . ولا دل على اللّه إلا اللّه . ولا أوصل إلى اللّه إلا اللّه ، فهو الدال على نفسه بما نصبه من الأدلة . وهو الذاكر لنفسه على لسان عبده . كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « إن اللّه قال على لسان نبيه : سمع اللّه لمن حمده » وهو المحب لنفسه بنفسه ، وبما خلق من عبيده الذين يحبونه . والشاكر لنفسه بنفسه ، وبما أجراه على ألسنة عبيده وقلوبهم وجوارحهم من ذكره وشكره . فمنه السبب . وهو الغاية
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
( 3 ) [ الحديد : 3 ] .
هامش
( 1 ) أهل الاستقامة - المهتدون الصراط المستقيم - لا يتكلمون بهذا . بل يقولون ما قال اللّه ورسوله . لأنهم هدوا إلى الطيب من القول وإلى صراط مستقيم . وليس هذا من الطيب من القول ، ولا من صراط العزيز الحميد .