تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 780

مساهمون:

ص٧٨٠
أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ
[ يوسف : 31 ] لكان دليلا أيضا . فإن مشاهدته في تلك الحال غيّب عن النسوة السكاكين ، وما يقطعن بهن ، حتى قطعن أيديهن ولا يشعرن . وذلك من قوة الغيبة .

درجات الغيبة

قال الشيخ : « الغيبة - التي يشار إليها في هذا الباب - على ثلاث درجات . الأولى : غيبة المريد في تخلص القصد عن أيدي العلائق ، ودرك العوائق ، لالتماس الحقائق » . يريد غيبة المريد عن بلده ووطنه وعاداته ، في محل تخليص القصد وتصحيحه ، ليقطع بذلك العلائق . وهي ما يتعلق بقلبه وقالبه وحسه من المألوفات . ويسبق العوائق ، حتى لا تلحقه ولا تدركه . قوله « لالتماس الحقائق » متعلق بقوله « غيبة المريد » أي هذه الغيبة لالتماس الحقائق . فإن « العوائق » و « العلائق » تحول بينه وبين طلبها وحصولها لمضادتها لها . و « الحقائق » جمع حقيقة ، ويراد بها : الحق تعالى وما نسب إليه . فهو الحق ، وقوله الحق ، ووعده الحق ، ولقاؤه حق ، ورسوله حق ، وعبوديته وحده حق ، وعبودية ما سواه الباطل . فكل شيء ما خلا اللّه باطل . والمقصود : أن المريد إن لم يتخلص قصده في مطلوبه عما يعوقه من الشواغل ، أو ما يدركه من المعوقات : لم يبلغ مقصوده . ولم يصل إليه ، وإن وصل إليه فبعد جهد شديد ومشقة ، بسبب تلك الشواغل . ولم يصل القوم إلى مطلبهم إلا بقطع العلائق ، ورفض الشواغل . قال : « الدرجة الثانية : غيبة السالك عن رسوم العلم ، وعلل السعي ، ورخص الفتور » . يريد : أن ينتقل عن أحكام العلم إلى الحال . وهذا كلام فيه إجمال . فالملحد يفهم منه : أنه يفارق أحكام العلم ، ويقف مع أحكام الحال . وهذا زندقة وإلحاد . والموحد يفهم منه : أنه ينتقل من أحكام العلم وحده إلى أحكام الحال المصاحب للعلم . فإن العلم الخالي عن الحال : ضعف في الطريق . والحال المجرد عن العلم : ضلال عن الطريق . ومن عبد اللّه بحال مجرد عن علم لم يزدد من اللّه إلا بعدا . قوله « وعلل السعي » يعني : أن السالك يغيب عن علل سعيه وعمله وهذه العلل عندهم : هي اعتقاده أنه يصل بها إلى اللّه ، وسكونه إليها ، وفرحه بها ورؤيتها . فيغيب عن هذه العلل . ومراده بغيبته عنها : إعدامها حتى لا تحضره ، لا أنه يغيب عنها وهي موجودة قائمة . نعم إذا اعتقد أن اللّه يوصله إليه بها ، ويفرح بها من جهة الفضل والمنة ، وسبق الأولية ، لا من جهة الاكتساب والفعل : لم يضره ذلك . بل هذا أكمل . وهو في الحقيقة سكون إلى اللّه تعالى ، وفرح به . واعتقاد أنه هو الموصل لعبده إليه بما منه وحده ، لا بحول العبد وقوته . فهذا لون وهذا لون . والحاصل : أنه إذا انتقل عن أحكام العلم المجرد إلى أحكام الحال المصاحب للعلم غابت عنه علل السعي . وكذلك تغيب عنه « رخص الفتور » فلا ينظر إلى عزيمة السعي . ولا يقف مع رخص الفتور .