وللملحد هاهنا مجال يجول فيه . ويقول : إن الوجود المحدث لم تكن له حقيقة ، وإن الوجود القديم الدائم وحده هو الثابت . لا وجود لغيره ، لا في ذهن ، ولا في خارج . وإنما هو وجود فائض على الدوام على ماهيات معدومة . فتكتسي بعين وجوده بحسب استعداداتها .
والمقصود : شرح كلام الشيخ .
والمراد « برعونة الرسم » هاهنا : بقية تبقى من صاحب الشهود ، لا يدركها لضعفها وقلتها ، واشتغاله بنور الكشف عن ظلمتها . فهو لا يحس بها .
قال : « الدرجة الثالثة : استغراق الشواهد في الجمع . وهذا رجل شملته أنوار الأولية . ففتح عينه في مطالعة الأزلية . فتخلص من الهمم الدنية » .
إنما كان هذا « الاستغراق » عنده أكمل مما قبله : لأن الأول استغراق كاشف في كشف .
وهو متضمن لتفرقة . وهذا استغراق عن شهود كشفه في الجمع . فتمكن هذا في حال جمع همته مع الحق ، حتى غاب عن إدراك شهوده ، وذكر رسومه . لما توالى عليه من الأنوار التي خصه الحق بها في الأزل . وهي أنوار كشف اسمه « الأول » ففتح عين بصيرته في مطالعة الاختصاصات الأزلية ، فتخلص بذلك من الهمم الدنية ، المنقسمة بين تغيير مقسوم ، أو تفويت مضمون ، أو تعجيل مؤخر ، أو تأخير سابق ، ونحو ذلك .
وقد يراد « بالهمم الدنية » تعلقها بما سوى الحق سبحانه ، وما كان له . وعلى هذا فاستغراق شواهده في جمع الحكم وشموله .
وقد يراد به معنى آخر . وهو : استغراق شواهد الأسماء والصفات في الذات الجامعة لها .
فإن الذات جامعة لأسمائها وصفاتها . فإذا استغرق العبد في حضرة الجمع غابت الشواهد في تلك الحضرة .
وأكمل من ذلك : أن يشهد كثرة في وحدة ، ووحدة في كثرة ، بمعنى : أن يشهد كثرة الأسماء والصفات في الذات الواحدة ، ووحدة الذات مع كثرة أسمائها وصفاتها .
وقوله « ففتح عينه في مطالعة الأزلية » نظر باللّه لا بنفسه . واستمد من فضله وتوفيقه ، لا من معرفته وتحقيقه . فشاهد سبق اللّه سبحانه وتعالى لكل شيء وأوليته قبل كل شيء . فتخلص من همم المخلوقين المتعلقة بالأدنى . وصارت له همة عالية متعلقة بربه الأعلى . تسرح في رياض الأنس به ومعرفته . ثم تأوي إلى مقاماتها تحت عرشه ، ساجدة له ، خاضعة لعظمته ، متذللة لعزته . لا تبغي عنه حولا ، ولا تروم به بدلا .
باب الغيبة
قال صاحب المنازل :
« ( باب الغيبة ) قال اللّه تعالى :
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ
[ يوسف : 84 ] » .
وجه استدلاله بإشارة الآية : أن يعقوب صلى اللّه عليه وسلم لما امتلأ قلبه بحب يوسف عليه الصلاة والسلام وذكره : أعرض عن ذكر أخيه ، مع قرب عهده بمصيبة فراقه . فلم يذكره مع ذلك . ولم يتأسف عليه ، غيبة عنه بمحبة يوسف ، واستيلائه على قلبه . ولو استدل بقوله تعالى :
فَلَمَّا رَأَيْنَهُ