تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 765

مساهمون:

ص٧٦٥
قال : « ويسمى النفس : نفسا ، لتروح المتنفس به » . « التنفيس » هو الترويح . يقال : نفّس اللّه عنك الكرب : أي أراحك منه . وفي الحديث الصحيح « من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا : نفّس اللّه عنه كربة من كرب يوم القيامة » . وهذه الأحرف الثلاثة - وهي النون والفاء وما يثلثهما - تدل حيث وجدت على الخروج والانفصال . فمنه « النفل » لأنه زائد على الأصل خارج عنه . ومنه : النفر ، والنفي ، والنفس ، ونفقت الدابة . ونفست المرأة ، ونفست : إذا حاضت ، أو ولدت . فالنفس : خروج وانفصال يستريح به المتنفس .

درجات النفس

قال : « وهو على ثلاث درجات . وهي تشابه درجات الوقت » . وجه الشبه بينهما : أن الأوقات تعد بالأنفاس كدرجاتها . وأيضا فالوقت ، كما قال هو « حين وجد صادق » فقيّد الحين بالوجد . والوجد بالصدق . وقال في هذا الباب « هو نفس في حين استتار » فقيد النفس بالحين وبالوجد . وقيد به الوقت . فهو معتبر بهما . وأيضا فالوقت والنفس لهما أسباب تعرض للقلب بسبب حجبه عن مطلوبه ، أو مفارقة حال كان فيها ، فاستترت عنه . فبينهما تشابه من هذه الوجوه وغيرها . قال : « والأنفاس ثلاثة : نفس في حين استتار مملوء من الكظم ، متعلق بالعلم . إن تنفس تنفس بالأسف . وإن نطق نطق بالحزن . وعندي : هو متولد من وحشة الاستتار . وهي الظلمة التي قالوا : إنها مقام » . فقوله « نفس في حين استتار » أي يكون له حال صادق ، وكشف صحيح . فيستتر عنه بحكم الطبيعة والبشرية ولا بدّ . فيضيق بذلك صدره . ويمتلئ كظما بحجب ما كان فيه واستتاره . لأسباب فاعلية وغائية . سترد عليك إن شاء اللّه . فإذا تنفس في هذه الحال فتنفسه تنفس الحزين المكروب . قوله : « مملوء من الكظم » الكظم : هو الإمساك . ومنه : كظم غيظه ، إذا تجرعه وحبسه ولم يخرجه . قوله : « متعلق بالعلم » يريد : أن ذلك النفس متعلق بأحكام الظاهر ، لا بأحكام الحال . وذلك هو البلاء الذي تقدم ذكر الشيخ له . وهو بلاء العبد بين الاستجابة لداعي العلم وداعي الحال . وإنما كان ذلك نفس مكظوم : لخلوه - في هذه الحال - من أحكام المحبة التي تهون الشدائد ، وتسهل الصعب ، وتحمل الكلّ . وتعين على نوائب الحق . وتعلقه بالعلم - الذي هو داعي التفرق - فإن كرب المحبة : ممزوج بالحلاوة . فإذا خلا من أحكامها إلى أحكام العلم : فقد تلك الحلاوة . واشتاق إلى ذلك الكرب . كما قيل :
ويشكو المحبون الصبابة . ليتني * تحملت ما يلقون من بينهم وحدي