تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 768

مساهمون:

ص٧٦٨
هذا النفس أعلى من الأول . فإن الأول في حين استتار وظلمة . وهذا نفس في حال تجلّ ونوره . وحين التجلي : هو زمان حصول الكشف ، و « التجلي » مشتق من الجلوة . قيل : وحقيقته إشراق نور الحق على قلوب المريدين . فإن أرادوا إشراق نور الذات : فغلط شنيع منهم . ولهذا قال من احترز منهم عن ذلك « إشراق نور الصفات » . فإن أرادوا أيضا إشراق نفس الصفة : فغلط كذلك . فإن التجلي الذاتي والصفاتي لا يقع في هذا العالم . ولا تثبت له القوى البشرية . والحق : إنه إشراق نور المعرفة والإيمان . واستغراق القلب في شهود الذات المقدسة وصفاتها استغراقا علميا . نعم هو أرفع من العلم المجرد لأسباب : منها : قوته . فإن المعارف والعلوم تتفاوت . ومنها : صفاء المحل ونقاؤه من الكدر المانع من ظهور العلم والمعرفة فيه . ومنها : التجرد عن الموانع والشواغل . ومنها : كمال الالتفات والتحديق نحو المعروف المشهود . ومنها : كمال الأنس به والقرب منه ، إلى غير ذلك من الأسباب التي توجب للقلب شهودا وكشفا وراء مجرد العلم . قوله « وهو نفس شاخص عن مقام السرور » أي صادر عن مقام السرور . و « الشخوص » الخروج ، يقال : شخص فلان إلى بلد كذا : إذا خرج إليه . والمقصود : أن هذا « النفس » صدر عن سرور وفرح ، بخلاف الأول . فإنه صدر عن ظلمة ووحشة أثارت حزنا . فهذا « النفس » صدر عن سماع الإجابة الذي يمحو آثار الوحشة . قوله « إلى روح المعاينة » هو بفتح الراء . وهو النعيم والراحة التي تحصل بالمعاينة . ضد الألم والوحشة الحاصلين في حين الاستتار . فهذا « النفس » مصدره السرور . ونهايته روح المعاينة ، صادرا عن مسرة ، طالبا المعاينة . وأصح ما يحمل عليه كلام الشيخ ، وأمثاله من أهل الاستقامة في « المعاينة » أنها تزايد العلم حتى يصير يقينا « 1 » . ولا يصل أحد إلى عين اليقين في هذه الدار . وإن خالف في ذلك من خالف . فالغلط من لوازم الطبيعة . والعلم يميز بين الغلط والصواب . وقد أشعر كلام الشيخ هاهنا بأن « التجلي » دون « المعاينة » فإن « التجلي » قد يكون من وراء ستر رقيق وحاجز لطيف . و « الكشف » و « العيان » هو الظهور من غير ستر ، فإذا كان مسرورا بحال التجلي كانت أنفاسه متعلقة بمقام « المعاينة » الذي هو فوق مقام « التجلي » ولهذا جعله شاخصا إليها .
هامش
( 1 ) أنت قد فرقت في كثير من كتبك ، بل فرقت هنا : بين اليقين وعين اليقين . والقوم إنما مقصودهم من المعاينة واضح متمش كل التمشي مع عقيدتهم في وحدة الوجود ، مهما حاول صرف كلامهم عنها . فما معنى « شاخص إلى منقطع الإشارة » و « قائم بإشارات الأزل » و « صدق النور » ؟ .