تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 764

مساهمون:

ص٧٦٤
قوله : « مع شواهد تشهد لهم بصحة مقامهم » . يريد : أنهم لم يعطلوا أحكام العبودية في هذه الحال . فيكون ذلك شاهدا عليهم بفساد أحوالهم . بل لهم - مع ذلك - شواهد صحيحة . تشهد لهم بصحة مقاماتهم . وتلك الشواهد : هي القيام بالأمر ، وآداب الشريعة ظاهرا وباطنا . قوله : « عن قصد سابق ، يهيجه غيب » . يجوز أن يتعلق هذا الحرف وما بعده بمحذوف ، دل عليه الكلام . أي حصل لهم ذلك عن قصد صادق . أي لازم ثابت . لا يلحقه تلون « يهيجه غيب » أي أمر غائب عن إدراكهم هيّج لهم ذلك القصد الصادق . قوله : « وحب صادق يخفى عليه مبدأ علمه » أي هم لا يعرفون مبدأ ما بهم . ولا يصل علمهم إليه . لأنهم لما لاح لهم ذلك اللائح استغرق قلوبهم . وشغل عقولهم عن غيره . فهم مأخوذون عن أنفسهم مقهورون بواردهم . قوله : « ووجد غريب لا ينكشف لصاحبه موقده » . أي لا ينكشف لصاحب هذا الوجد السبب الذي أهاجه له . وأوقده في قلبه . فهو لا يعرف السبب الذي أوجد نار وجده . قوله : « وهذا من أدق مقامات أهل الولاية » . جعله دقيقا لكون الحس مقهورا مغلوبا عند صاحبه ، والعلم والمعرفة لا يحكمان عليه ، فضلا عن الحس والعادة . وحاصل هذا المقام : الاستغراق في الفناء . وهو الغاية عند الشيخ . والصحيح : أن أهل الطبقة الثانية أعلى من هؤلاء ، وأرفع مقاما ، وهم الكمل . وهم أقوى منهم . كما كان مقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة الإسراء أرفع من مقام موسى عليه السلام يوم التجلي . ولم يحصل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الفناء ما حصل لموسى صلى اللّه عليه وسلم « 1 » . وكان حب امرأة العزيز ليوسف عليه السلام أعظم من حب النسوة . ولم يحصل لها من تقطيع الأيدي ونحوه ما حصل لهن . وكان حب أبي بكر رضي اللّه عنه لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أعظم من حب عمر رضي اللّه عنه وغيره . ولم يحصل له عند موته من الاضطراب والغشي والإقعاد ما حصل لغيره . فأهل البقاء والتمكن : أقوى حالا ، وأرفع مقاما من أهل الفناء . وباللّه التوفيق .

منزلة النفس

ومنها « النفس » . قال صاحب المنازل : « ( باب النفس ) قال اللّه تعالى :
فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ
[ الأعراف : 143 ] » . وجه إشارته بالآية : أن « النفس » يكون بعد مفارقة الحال ، وانفصاله عن صاحبه . فشبه الحال بالشيء الذي يأخذ صاحبه فيغتّه ويغطّه . حتى إذا أقلع عنه تنفّس نفسا يستريح به ويستروح .
هامش
( 1 ) وهل حصل لموسى عليه السلام ولعمر رضي اللّه عنه فناء يصحح دعاواهم العريضة البعيدة ؟ اللهم لا .