بكسب واختيار ، وأنها مجرد موهبة وصدقة . تصدق اللّه بها عليه . لا يبلغها عمله . ولا ينالها سعيه .
وأيضا فليعرفه عزه في منعه ، وبره في عطائه ، وكرمه وجوده في عوده عليه بما حجب عنه .
فينفتح على قلبه من معرفة الأسماء والصفات - بسبب هذا الاستتار والكشف بعده - أمور غريبة عجيبة . ويعرفها الذائق لها ، وينكرها من ليس من أهلها .
وأيضا فإن الطبيعة والنفس لم يموتا ، ولم يعد ما بالكلية . ولولا ذلك لما قام سوق الامتحان والتكليف في هذا العالم . بل قهرا بسلطان العلم والمعرفة والإيمان والمحبة . والمقهور المغلوب لا بدّ أن يتحرك أحيانا - وإن قلّت - ولكن حركة أسير مقهور ، بعد أن كانت حركته حركة أمير مسلط .
فمن تمام إحسان الرب إلى عبده ، وتعريفه قدر نعمته : أن أراه في الأعيان ما كان حاكما عليه ، قاهرا له . وقد تقاضى ما كان يتقاضاه منه أولا . فحينئذ يستغيث العبد بربه ووليه ، ومالك أمره كله : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ، يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك .
وأيضا فإنه يزيل من قلبه آفة الركون إلى نفسه ، أو عمله أو حاله . كما قيل : إن ركنت إلى العلم : أنسيناكه . وإن ركنت إلى الحال : سلبناك إياه . وإن ركنت إلى المعرفة : حجبناها عنك .
وإن ركنت إلى قلبك : أفسدناه عليك . فلا يركن العبد إلى شيء سوى اللّه البتة . ومتى وجد من قلبه ركونا إلى غيره : فليعلم أنه قد أحيل على مفلس ، بل معدم . وأنه قد فتح له الباب مكرا .
فليحذر ولوجه . واللّه المستعان .
قوله : « وهي الظلمة التي قالوا : إنها مقام » .
يعني : أن وحشة الاستتار ظلمة . وقد قال قوم : إنها مقام .
ووجهه : أن الرب سبحانه يقيم عبده بحكمته فيها ، لما ذكرناه من الحكم والفوائد ، وغيرها مما لم نذكره .
فبهذا الاعتبار تكون مقاما . ولكن صاحب هذا المقام : أنفاسه أنفاس حزن وأسف ، وهلاك وتلف ، لما حجب عنه من المقام الذي كان فيه .
والشيخ كأنه لا يرى ذلك مقاما . فإن المقامات هي منازل في طريق المطلوب فكل أمر أقيم فيه السالك ، من حاله الذي يقدمه إلى مطلوبه : فهو مقام . وأما وحشة الاستتار : فهي تأخر في الحقيقة لا تقدم . فكيف تسمى مقاما ؟ بل هي ضد المقام .
ومما يدل على أن وحشة الاستتار ليست مقاما : أن كل مقام فهو تعلق بالحق سبحانه على وجه الثبوت ، وحقيقته : بأن يكون العبد بالمقيم لا بالمقام .
وأما حال الاستتار : فهو حال انقطاع عن ذلك التعلق المذكور .
والتحقيق في ذلك : أن له وجهين . هو من أحدهما : ظلمة ووحشة . ومن الثاني : مقام .
فهو باعتبار الحال وباعتبار نفسه ليس مقاما . وباعتبار المآل وما يترتب عليه ، وما فيه من تلك الحكم والفوائد المذكورة : فهو مقام . وباللّه التوفيق .
قال : « والنفس الثاني : نفس في حين التجلي . وهو نفس شاخص عن مقام السرور إلى روح المعاينة . مملوء من نور الوجود . شاخص إلى منقطع الإشارة » .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 767
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٧٦٧