ومن ظرف أهل هذه الطبقة : أن لا يظهر أحدهم على جليسه بحال ولا مقام . ولا يواجهه إذا لقيه بالحال . بل بلين الجانب ، وخفض الجناح ، وطلاقة الوجه . فيفرش له بساط الأنس ويجلسه عليه . فهو أحب إليه من الفرش الوثيرة . وسئل محمد بن علي القصاب - أستاذ الجنيد - عن التصوف ؟ فقال : أخلاق كريمة ، ظهرت في زمان كريم ، مع قوم كرام .
وبالجملة : فهذه الطريق لا تنافي اللطف والظرف ، والصلف - بل هي أصلف شيء - لكن هاهنا دقيقة قاطعة . وهي الاسترسال مع هذه الأمور . فإنها أقطع شيء للمريد والسالك . فمن استرسل معها قطعته . ومن عاداها بالكلية وعّرت عليه طريق سلوكه . ومن استعان بها أراحته في طريقه . أو أراحت غيره به . وباللّه التوفيق .
وأهل هذه الطبقة ، أثقل شيء عليهم : البحث [ عما جريات ] الناس ، وطلب تعرف أحوالهم . وأثقل ما على قلوبهم : سماعها . فهم مشغولون عنها بشأنهم . فإذا اشتغلوا بما لا يعنيهم منها فاتهم ما هو أعظم عناية لهم . وإذا عدّ غيرهم الاشتغال بذلك . وسماعه : من باب الظرف والأدب ، وستر الأحوال : كان هذا من خدع النفوس وتلبيسها . فإنه يحطّ الهمم العالية من أوجها إلى حضيضها . وربما يعز عليه أن يحصل همة أخرى يصعد بها إلى موضعه الذي كان فيه . فأهل الهمم والفطن الثاقبة لا يفتحون من آذانهم وقلوبهم طريقا إلى ذلك ، إلا ما تقاضاه الأمر . وكانت مصلحته أرجح . وما عداه فبطالة وحط مرتبة .
قال : « الطبقة الثالثة : طائفة أسرهم الحق عنهم . فألاح لهم لائحا أذهلهم عن إدراك ما هم فيه . وهيّمهم عن شهود ما هم له . وضنّ بحالهم عن علمهم ما هم به . فاستسروا عنهم ، مع شواهد تشهد لهم بصحة مقامهم ، عن قصد صادق يهيجه غيب وحبّ صادق يخفى عليه علمه ، ووجد غريب لا ينكشف له موقده . وهذا من أدق مقامات أهل الولاية » .
أهل هذه الطبقة : أحق باسم « السر » من الذين قبلهم . فإنه - إذا كانت أحوال القلب ، ومواهب الرب التي وضعها فيه سرّا عن صاحبه . بحيث لا يشعر هو بها ، شغلا عنها بالعزيز الوهاب سبحانه . فلا يتسع قلبه لاشتغاله به وبغيره . بل يشتغل بمجريها ومنشئها وواهبها عنها - فهذا أقوى وجوه السر . بل ذلك أخفى من السر . ومن أعظم الستر والإخفاء : أن يستر اللّه سبحانه وتعالى حال عبده ويخفيه عنه . رحمة به ولطفا . لئلا يساكنه ، وينقطع به عن ربه . فإن ذلك خلعة من خلع الحق تعالى . فإذا سترها صاحبها وملبسها عن عبده . فقد أراد به أن لا يقف مع شيء دونه . وقد يكون ذلك الستر مما يشتغل به العبد عن مشاهدة جلال الرب تعالى ، وكماله وجماله . أعني مشاهدة القلب لمعاني تلك الصفات ، واستغراقه فيها .
وعلامة هذا الشهود الصحيح : أن يكون باطنه معمورا بالإحسان ، وظاهره مغمورا بالإسلام . فيكون ظاهره عنوانا لباطنه ، مصدقا لما اتصف به ، وباطنه مصححا لظاهره . هذا هو الأكمل عند أصحاب الفناء .
وأكمل منه : أن يشهد ما وهبه اللّه له ويلاحظه ، ويراه من محض المنة ، وعين الجود . فلا يفنى بالمعطي عن رؤية عطيته . ولا يشتغل بالعطية عن معطيها . وقد أمر اللّه سبحانه بالفرح بفضله ورحمته . وذلك لا يكون إلا برؤية الفضل والرحمة وملاحظتهما ، وأمر بذكر نعمه وآلائه . فقال تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
[ فاطر : 3 ] وقال تعالى :
فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ