تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 763

مساهمون:

ص٧٦٣
تُفْلِحُونَ
[ الأعراف : 69 ] وقال تعالى :
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ
[ البقرة : 231 ] . فلم يأمر اللّه سبحانه بالفناء عن شهود نعمته . فضلا عن أن يكون مقام الفناء أرفع من مقام شهودها من فضله ومنته . وقد أشبعنا القول في هذا فيما تقدم . ولا تأخذنا فيه لومة لائم . ولا تأخذ أرباب الفناء في ترجيح الفناء عليه لومة لائم . فقوله : « أسرهم الحق عنهم » أي شغلهم به عن ذكر أنفسهم . فأنساهم بذكره ذكر نفوسهم . وهذا ضد حال الذين نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم . فإن أولئك لما نسوه أنساهم مصالح أنفسهم التي لا صلاح لهم إلا بها . فلا يطلبونها . وأنساهم عيوبهم ، فلا يصلحونها . وهؤلاء أنساهم حظوظهم بحقوقه ، وذكر ما سواه بذكره . والمقصود : أنه سبحانه أخذهم إليه . وشغلهم به عنهم . قوله « وألاح لهم لائحا أذهلهم عن إدراك ما هم فيه » . « ألاح » أي أظهر ، والمعنى : أظهر لهم من معرفة جماله وجلاله لائحا ما . لم تتسع قلوبهم بعده لإدراك شيء من أحوالهم ومقاماتهم . وهذا رقيقة من حال أهل الجنة ، إذا تجلى لهم سبحانه ، وأراهم نفسه . فإنهم لا يشعرون في تلك الحال بشيء من النعيم . ولا يلتفتون إلى سواه البتة . كما صرح به في الحديث الصحيح في قوله « فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه » . والمعنى : أن هذا اللائح الذي ألاحه سبحانه لهم ، أذهلهم عن الشعور بغيره . قوله : « هيّمهم عن شهود ما هم له » يحتمل أن يكون مراده : أن هذا اللائح هيمهم عن شهود ما خلقوا له . فلم يبق فيهم اتساع للجمع بين الأمرين . وهذا - وإن كان لقوة الوارد - فهو دليل على ضعف المحل . حيث لم يتسع القلب معه لذكر ما خلق له . والكمال : أن يجتمع له الأمران . ويحتمل أن يريد به : أن هذا اللائح غيبهم عن شهود أحوالهم التي هم لها في تلك الحال . فغابوا بمشهودهم عن شهودهم ، وبمعروفهم عن معرفتهم ، وبمعبودهم عن عبادتهم . فإن « الهائم » لا يشعر بما هو فيه ، ولا بحال نفسه . وفي « الصحاح » : الهيام كالجنون من العشق . قوله : « وضن بحالهم عن علمهم » أي بخل به « 1 » . والمعنى لم يمكن علمهم أن يدرك حالهم وما هم عليه . قوله : « فاستسروا عنهم » أي اختفوا حتى عن أنفسهم . فلم تعلم نفوسهم كيف هم ؟ ولا تبادر بإنكار هذا ، تكن ممن لا يصل إلى العنقود ، فيقول : هو حامض « 2 » .
هامش
( 1 ) ما ينبغي أن يطلق هذا في جانب اللّه الكريم . ( 2 ) وهل هذا كلام له حقيقة ومحصل ، حتى يكون هناك عنقود يوصف بحلاوة أو حموضة ؟ إنما هو كلام لا يستحق أن يوصف حتى ولا بحامض . لأنه مجرد خيال يموهون به على الدهماء . ثم يخوفونهم . إياك أن تنكر .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 763 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى