فكان لقلبي لذة الحب كلها * فلم يلقها قبلي محب ، ولا بعدي
قوله : « إن تنفس تنفس بالأسف » .
« الأسف » الحزن . كقوله تعالى عن يعقوب
يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ
[ يوسف : 84 ] و « الأسف » الغضب . كقوله تعالى :
فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ
[ الزّخرف : 55 ] وهو في هذا الموضع :
الحزن على ما توارى عنه من مطلوبه ، أو من صدق حاله .
قوله : « وإن نطق : نطق بالحزن » يعني : أن هذا المتنفس إن نطق بما يدل على الحزن على ما توارى عنه ، فمصدر تنفسه ونطقه : حزنه على ما حجب عنه .
قوله « وعندي : أنه يتولد من وحشة الاستتار والحجب » .
وكأن « الاستتار » بسبب السبب فيتولد السبب .
يريد : إن هذا « الأسف » - وإن أضيف إلى الاستتار والحجاب - فتولده : إنما هو من الوحشة التي سببها الاستتار من تلك الوحشة المتولدة من الاستتار . وهذا صحيح . فإنه لما كان مطلوبه مشاهدا له ، وحال محبته وأحكامها قائما به : كان نصيبه من الأنس على قدر ذلك . فإنه لما توارى عنه مطلوبه وأحكام محبته استوحش لذلك . فتولد « الحزن » من تلك الوحشة .
وبعد ، فالحزن يتولد من مفارقة المحبوب . ليس له سبب سواه . وإن تولد من حصول مكروه ، فذلك المكروه : إنما كان كذلك لما فات به من المحبوب . فلا حزن إذا ، ولا همّ ولا غمّ ، ولا أذى ولا كرب إلا في مفارقة المحبوب . ولهذا كان حزن الفقر والمرض ، والألم والجهل ، والخمول والضيق ، وسوء الحال ونحو ذلك : على فراق المحبوب ، من المال ، والوجد والعافية ، والعلم ، والسعة ، وحسن الحال . ولهذا جعل اللّه سبحانه وتعالى مفارقة المشتهيات من أعظم العقوبات . فقال تعالى :
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ
( 54 ) [ سبإ : 54 ] فالفرح والسرور : بالظفر بالمحبوب . والهم والغم والحزن والأسف : بفوات المحبوب . فأطيب العيش : عيش المحب الواصل إلى محبوبه . وأمرّ العيش :
عيش من حيل بينه وبين محبوبه .
و « الاستتار » المذكور لا يكون إلا بعد كشف وعيان . والرب تعالى يستر عنهم ما يستره رحمة بهم ، ولطفا بضعيفهم ، إذ لو دام له حال الكشف لمحقه ، بل من رحمة ربه به : أن رده إلى أحكام البشرية ، ومقتضى الطبيعة .
وأيضا ليتزايد طلبه . ويقوى شوقه . فإنه لو دامت له تلك الحال : لألفها واعتادها . ولم يقع منه موقع الماء من ذي الغلّة الصادي ؛ ولا موقع الأمن من الخائف ، ولا موقع الوصال من المهجور . فالرب سبحانه واراها عنه ليكمل فرحه ولذته وسروره بها .
وأيضا فليعرفه سبحانه قدر نعمته بما أعطاه وخلع عليه . فإنه لما ذاق مرارة الفقد : عرف حلاوة الوجود . فإن الأشياء تتبين بأضدادها .
وأيضا فليعرفه فقره وحاجته وضرورته إلى ربه ، وأنه غير مستغن عن فضله وبره طرفة عين .
وأنه إن انقطع عنه إمداده فسد بالكلية .
وأيضا فليعرفه أن ذلك الفضل والعطاء ليس لسبب من العبد ، وأنه عاجز عن تحصيلها