تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 761

مساهمون:

ص٧٦١
غيره . مثاله : أن يقول أحدهم : أنا غني . فيوهم المخاطب له أنه غني بالشيء . ومراده : غني باللّه عنه . كما قيل :
غنيت بلا مال عن الناس كلهم * وإن الغنى العالي عن الشيء . لا به
وأن يقول : ما صح لي مقام التوبة بعد . ويريد : ما صحت لي التوبة عن رؤية التوبة . ونحو ذلك . قوله : « ونادوا على شأن . وهم على غيره » أي عظموا شأنا من شؤون القوم ، ودعوا الناس إليه . وهم في أعلى منه . وهذا قريب مما قبله . قوله : « فهم بين غيرة عليهم تسترهم » أي يغار الحق سبحانه عليهم ، فيسترهم عن الخلق . ويغارون على أحوالهم ومقاماتهم . فيسترون أحوالهم عن رؤية الخلق لها . كما قيل :
ألف الخمول صيانة وتسترا * فكأنما تعريفه : أن ينكرا وكأنه كلف الفؤاد بنفسه * فحمته غيرته عليها أن ترى
قوله : « وأدب فيهم يصونهم ، بهذا يتم أمرهم » . وهو أن يقوم بهم أدب يصونهم عن ظن السوء بهم ، ويصونهم عن دناءة الأخلاق والأعمال . فأدبهم صوان على أحوالهم ، فهمته العلية ترتفع به . وأدبه يرسو به إلى التراب . كما قيل :
أبلج سهل الأخلاق ، ممتنع * يبرزه الدهر . وهو يحتجب إذا ترقّت به عزائمه * إلى الثريا . رسا به الأدب
فأدب المريد والسالك : صوان له . وتاج على رأسه . قوله : « وظرف يهذبهم » التهذيب : هو التأديب والتصفية . و « الظرف » في هذه الطائفة : أحلى من كل حلو . وأزين من كل زين . فما قرن شيء إلى شيء أحسن من ظرف إلى صدق وإخلاص ، وسرّ مع اللّه وجمعية عليه . فإن أكثر من عني بهذا الشأن تضيق نفسه وأخلاقه عن سوى ما هو بصدده . فتثقل وطأته على أهله وجليسه . ويضنّ عليه ببشره ، والتبسط إليه ، ولين الجانب له . ولعمر اللّه إنه لمعذور ، وإن لم يكن في ذلك بمشكور . فإن الخلق كلهم أغيار . إلا من أعانك على شأنك ، وساعدك على مطلوبك . فإذا تمكن العبد في حاله . وصار له إقبال على اللّه ، وجمعية عليه - ملكة ومقاما راسخا - أنس بالخلق وأنسوا به . وانبسط إليهم وحملهم على ظلعهم وبطء سيرهم . فعكفت القلوب على محبته للطفه وظرفه . فإن الناس ينفرون من الكثيف ولو بلغ في الدين ما بلغ . وللّه ما يجلب اللطف والظرف من القلوب . ويدفع عن صاحبه من الشر . ويسهل له ما توعّر على غيره . فليس الثقلاء بخواص الأولياء . وما ثقل أحد على قلوب الصادقين المخلصين إلا من آفة هناك . وإلا فهذه الطريق تكسو العبد حلاوة ، ولطافة وظرفا . فترى الصادق فيها : من أحلى الناس ، وألطفهم وأظرفهم . قد زالت عنه ثقالة النفس ، وكدورة الطبع . وصار روحانيا سمائيا ، بعد أن كان حيوانيا أرضيا . فتراه أكرم الناس عشرة ، وألينهم عريكة ، وألطفهم قلبا وروحا . وهذه خاصة المحبة . فإنها تلطف وتظرف وتنظف .