[ المائدة : 54 ] فهم عاملون على إسقاط جاههم ومنزلتهم في قلوب الناس . لما رأوا المغترين - المغترّ بهم - من المنتسبين إلى السلوك ، يعملون على تزكية نفوسهم ، وتوفير جاههم في قلوب الناس . فعاكسهم هؤلاء ، وأظهروا بطالة وأبطنوا أعمالا . وكتموا أحوالهم جهدهم . وينشدون في هذه الحال :
فليتك تحلو . والحياة مريرة * وليتك ترضى ، والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر * وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود ، يا غاية المنى * فكل الذي فوق التراب تراب
قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق حدثنا سفيان عن منصور عن هلال بن يساف . قال :
كان عيسى عليه السلام يقول : « إذا كان يوم صوم أحدكم . فليدهن لحيته ، ويمسح شفتيه ، حتى يخرج إلى الناس ، فيقولون : ليس بصائم » .
ولهذا قال بعضهم : التصوف ترك الدعاوي ، وكتمان المعاني . وسئل الحارث بن أسد عن علامات الصادق ؟ فقال : أن لا يبالي أن يخرج كل قدر له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه ، ولا يحب اطلاع الناس على اليسير من عمله .
وهذا يحمد في حال ، ويذم في حال . ويحسن من رجل ويقبح من آخر . فيحمد إذا أظهر ما يجوز إظهاره ، ولا نقص عليه فيه . ولا ذم من اللّه ورسوله ، ليكتم به حاله وعمله ، كما إذا أظهر الغنى وكتم الفقر والفاقة ، وأظهر الصحة وكتم المرض . وأظهر النعمة وكتم البلية . فهذا كله من كنوز الستر . وله في القلب تأثير عجيب . يعرفه من ذاقه . وشكى رجل إلى الأحنف بن قيس ، شكاة فقال : يا ابن أخي ، قد ذهب ضوء بصري من عشرين سنة ، فما أخبرت به أحدا .
وأما الحال التي يذمّ فيها : فأن يظهر ما لا يجوز إظهاره . ليسيء به الناس الظن ، فلا يعظموه . كما يذكر عن بعضهم : أنه دخل الحمام ، ثم خرج وسرق ثياب رجل ، ومشى رويدا .
حتى أدركوه . فأخذوها منه وسبوه . فهذا حرام لا يحل تعاطيه . ويقبح أيضا من المتبوع المقتدى به ذلك . بل وما هو دونه . لأنه يغر الناس ، ويوقعهم في التأسي بما يظهره من سوء .
فالملامتية نوعان : ممدوحون أبرار ، ومذمومون جهال . وإن كانوا في خفارة صدقهم .
فالأولون : الذين لا يبالون بلوم اللوم في ذات اللّه ، والقيام بأمره ، والدعوة إليه . وهم الذين قال اللّه فيهم :
يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ
[ المائدة : 54 ] فأحب الناس إلى اللّه : من لا تأخذه في اللّه لومة لائم . وكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لا تأخذه في اللّه لومة لائم .
والنوع الثاني المذموم : هو الذي يظهر ما يلام عليه شرعا من محرم أو مكروه . ليكتم بذلك حاله . وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه » .
فلنرجع إلى شرح كلام الشيخ .
قوله : « أشاروا إلى منزل . وهم في غيره » مثاله : أنهم يتكلمون في « التوبة والمحاسبة » وهم في منزل « المحبة والفناء » .
قوله « وورّوا بأمر . وهم لغيره » التورية : أن يذكر لفظا يفهم به المخاطب معنى ، وهو يريد