وقد سئل بعض الأئمة عن السنة ؟ فقال : ما لا اسم له سوى « السنة » .
يعني : أن أهل السنة ليس لهم اسم ينسبون إليه سواها .
فمن الناس : من يتقيد بلباس لا يلبس غيره . أو بالجلوس في مكان لا يجلس في غيره ، أو مشية لا يمشي غيرها ، أو بزيّ وهيئة لا يخرج عنهما ، أو عبادة معينة لا يتعبد بغيرها . وإن كانت أعلى منها ، أو شيخ معين لا يلتفت إلى غيره . وإن كان أقرب إلى اللّه ورسوله منه . فهؤلاء كلهم محجوبون عن الظفر بالمطلوب الأعلى ، مصدودون عنه . قد قيدتهم العوائد والرسوم ، والأوضاع والاصطلاحات عن تجريد المتابعة . فأضحوا عنها بمعزل ، ومنزلتهم منها أبعد منزل . فترى أحدهم يتعبد بالرياضة والخلوة ، وتفريغ القلب . ويعد العلم قاطعا له عن الطريق . فإذا ذكر له الموالاة في اللّه ، والمعاداة فيه ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر : عدّ ذلك فضولا وشرا .
وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك : أخرجوه من بينهم . وعدوه غيرا عليهم . فهؤلاء أبعد الناس عن اللّه . وإن كانوا أكثر إشارة . واللّه أعلم .
قال : « الطبقة الثانية : طائفة أشاروا عن منزل ، وهم في غيره . وورّوا بأمر ، وهم لغيره .
ونادوا على شأن ، وهم على غيره . فهم بين غيرة عليهم تسترهم . وأدب فيهم يصونهم . وظرف يهذّبهم » .
أهل هذه الطبقة استسروا اختيارا وإرادة لذلك ، صيانة لأحوالهم ، وكمالا في تمكنهم ، فمقاماتهم عالية . لا ترمقها العيون . ولا تخالطها الظنون . يشيرون إلى ما يعرفه المخاطب من مقامات المريدين السالكين ، وبدايات السلوك . ويخفون ما مكّنهم فيه الحق سبحانه وتعالى ، من أحوال المحبة ومواجيدها ، وآثار المعرفة وتوحيدها . فهذه هي « التورية » التي ذكرها .
فكأنهم يظهرون للمخاطب : أنهم من أهل البدايات . وهم في أعلى المقامات . يتكلمون معهم في البداية والإرادة والسلوك ، ومقامهم فوق ذلك . وهم محقون في الحالتين . لكنهم يسترون أشرف أحوالهم ومقاماتهم عن الناس .
وبالجملة : فهم مع الناس بظواهرهم . يخاطبونهم على قدر عقولهم ، ولا يخاطبونهم بما لا تصل إليه عقولهم ، فينكرون عليهم . فيحسبهم المخاطب مثله . فالناس عندهم . وليسوا هم عند أحد .
قوله : « أشاروا إلى منزل ، وهم في غيره » يعني : يشيرون إلى منزل « التوبة ، والمحاسبة » وهم في منزل « المحبة ، والوجد ، والذوق » ونحوها .
وقد يريد : أنهم يشيرون إلى أنهم عامة ، وهم خاصة الخاصة . وإلى أنهم جهال ، وهم العارفون باللّه . وأنهم مسيئون ، وهم محسنون .
وعلى هذا : فيكونون من الطائفة الملامتية ، الذين يظهرون ما لا يمدحون عليه . ويسرون ما يحمدهم اللّه عليه . عكس المرائين المنافقين . وهؤلاء طائفة معروفة . لهم طريقة معروفة . تسمى « طريقة أهل الملامة » وهم « الطائفة الملامتية » يزعمون : أنهم يحتملون ملام الناس لهم على ما يظهرونه من الأعمال . ليخلص لهم ما يبطنونه من الأحوال . ويحتجون بقوله تعالى :
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ