فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 36 ) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ
[ النّور : 36 ، 37 ] وعن نسبه ؟ قال :
أبي الإسلام . لا أب لي سواه * إذا افتخروا بقيس أو تميم
وعن مأكله ومشربه ؟ قال « ما لك ولها ؟ معها حذاؤها وسقاؤها . ترد الماء . وترعى الشجر ، حتى تلقى ربها » « 1 » .
وا حسرتاه تقضّى العمر ، وانصرمت * ساعاته بين ذل العجز والكسل
والقوم قد أخذوا درب النجاة . وقد * ساروا إلى المطلب الأعلى على مهل
والعلامة الثالثة : قوله « ولم يشر إليهم بالأصابع » يريد : أنهم - لخفائهم عن الناس - لم يعرفوا بينهم ، حتى يشيروا إليهم بالأصابع . وفي الحديث المعروف عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « لكل عامل شرّة « 2 » ولكل شرة فترة . فإن صاحبها سدّد وقارب فارجوا له . وإن أشير إليه بالأصابع : فلا تعدوه شيئا » فسئل راوي الحديث عن معنى « أشير إليه بالأصابع » ؟ فقال « هو المبتدع في دينه .
الفاجر في دنياه » .
وهذا موضع يحتاج إلى تفصيل . فإن الناس إنما يشيرون بالأصابع إلى من يأتيهم بشيء .
فبعضهم يعرفه وبعضهم لا يعرفه . فإذا مرّ : أشار من يعرفه إلى من لا يعرفه : هذا فلان . وهذا قد يكون ذما له ، وقد يكون مدحا . فمن كان معروفا باجتهاد ، وعبادة وزهد ، وانقطاع عن الخلق ، ثم انحط عن ذلك ، وعاد إلى حال أهل الدنيا والشهوات : فإذا مر بالناس أشاروا إليه ، وقالوا :
هذا كان على طريق كذا وكذا ، ثم فتن وانقلب . فهذا الذي قال في الحديث عنه « فلا تعدوه شيئا » لأنه انقلب على عقبيه . ورجع بعد الشرة إلى أسوأ فترة .
وقد يكون الرجل منهمكا في الدنيا ولذاتها . ثم يوقظه اللّه لآخرته . فيترك ما هو فيه ، ويقبل على شأنه . فإذا مر أشار الناس إليه بالأصابع . وقالوا : هذا كان مفتونا . ثم تداركه اللّه . فهذا كانت شرّته في المعاصي . ثم صارت في الطاعات . والأول : كانت شرته في الطاعات . ثم فترت وعادت إلى البدعة والفجور .
وبالجملة : فالإشارة بالأصابع إلى الرجل : علامة خير وشر ، ومورد هلاكه ونجاته . واللّه سبحانه الموفق .
قوله : « أولئك ذخائر اللّه حيث كانوا » ذخائر الملك : ما يخبأ عنده ، ويذخره لمهماته ، ولا يبذله لكل أحد . وكذلك ذخيرة الرجل : ما يذخره لحوائجه ومهماته . وهؤلاء - لما كانوا مستورين عن الناس بأسبابهم ، غير مشار إليهم . ولا متميزين برسم دون الناس ، ولا منتسبين إلى اسم طريق ، أو مذهب ، أو شيخ أو زيّ - كانوا بمنزلة الذخائر المخبوءة . وهؤلاء أبعد الخلق عن الآفات . فإن الآفات كلها تحت الرسوم والتقيد بها . ولزوم الطرق الاصطلاحية ، والأوضاع المتداولة الحادثة . هذه هي التي قطعت أكثر الخلق عن اللّه ، وهم لا يشعرون . والعجب أن أهلها : هم المعروفون بالطلب والإرادة والسير إلى اللّه . وهم - إلا الواحد بعد الواحد - المقطوعون عن اللّه بتلك الرسوم والقيود .
هامش
( 1 ) يشير إلى جواب النبي صلى اللّه عليه وسلم لمن سأله عن لقطة الإبل ؟ .
( 2 ) الشرة : النشاط والرغبة والاجتهاد .