تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 757

مساهمون:

ص٧٥٧
وهذا كلام يحتاج إلى شرح . فإن « الرسم » الظاهر المعاين : لا يمحى ما دام في هذا العالم . ولا يرون محو هذا الرسم . وهم مختلفون فيما يعبر بالرسم عنه . فطائفة قالت : « الرسم ما سوى الحق سبحانه . ومحوه : هو ذهاب الوقوف معه ، والنظر إليه ، والرضى به ، والتعلق به » . ومنهم من يريد بالرسم : الظواهر والعلامات . وهذا أقرب إلى وضع اللغة . فإن رسم الدار : هو الأثر الباقي منها الذي يدل عليها . ولهذا يسمون الفقهاء وأهل الأثر ونحوهم « علماء الرسوم » لأنهم - عندهم - لم يصلوا إلى الحقائق . بل اشتغلوا عن معرفتها بالظواهر والأدلة . فهذه الطائفة التي أشار إليها : لا رسم لهم يقفون عنده ، بل قد اشتغلوا بالحقائق والمعاني عن الرسوم والظواهر . وللملحد هاهنا مجال ، إذ عنده : أن العبادات والأوامر والأوراد كلها رسوم . وأن العبّاد : وقفوا على الرسوم . ووقفوا هم على الحقائق . ولعمر اللّه إنها لرسوم إلهية أتت على أيدي رسله . ورسم لهم : أن لا يتعدوها ، ولا يقصروا عنها . فالرسل قعدوا على هذه الرسوم يدعون الخلق إليها . ويمنعونهم من تجاوزها ، ليصلوا إلى حقائقها ومقاصدها . فعطلت الملاحدة تلك الرسوم . وقالوا : إنما المراد الحقائق . ففاتتهم الرسوم والحقائق معا . ووصلوا ، ولكن إلى الحقائق الإلحادية الكفرية
وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
[ آل عمران : 24 ]
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ الأنعام : 43 ] . فأحسن ما حمل عليه قول الشيخ « ولم يقفوا مع رسم » : أنهم لم ينقطعوا بشيء سوى اللّه عنه . فكل ما قطع عن اللّه لم يقفوا معه . وما أوصلهم إلى اللّه لم يفارقوه ، وكان وقوفهم معه . وقد يريد بقوله « لم يوقف لهم على رسم » أنهم - لعلو هممهم - سبقوا الناس في السير . فلم يقفوا معهم . فهم المفردون السابقون . فلسبقهم لم يوقف لهم على أثر في الطريق . ولم يعلم المتأخر عنهم أين سلكوا ؟ والمشمر بعدهم : قد يرى آثار نيرانهم على بعد عظيم ، كما يرى الكوكب ، ويستخبر ممن رآهم : أين رآهم ؟ فحاله كما قيل :
أسائل عنكم كل غاد ورائح * وأومي إلى أوطانكم ، وأسلم
العلامة الثانية : قوله « ولم ينسبوا إلى اسم » أي لم يشتهروا باسم يعرفون به عند الناس من الأسماء التي صارت أعلاما لأهل الطريق . وأيضا ، فإنهم لم يتقيدوا بعمل واحد ، يجري عليهم اسمه . فيعرفون به دون غيره من الأعمال . فإن هذا آفة في العبودية . وهي عبودية مقيدة . وأما العبودية المطلقة : فلا يعرف صاحبها باسم معين من معاني أسمائها . فإنه مجيب لداعيها على اختلاف أنواعها . فله مع كل أهل عبودية نصيب يضرب معهم بسهم . فلا يتقيد برسم ولا إشارة ، ولا اسم ولا بزيّ ، ولا طريق وضعي اصطلاحي . بل إن سئل عن شيخه ؟ قال : الرسول . وعن طريقه ؟ قال : الاتّباع . وعن خرقته ؟ قال لباس التقوى . وعن مذهبه ؟ قال : تحكيم السنة . وعن مقصوده ومطلبه ؟ قال :
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
[ الأنعام : 52 ] وعن رباطه وعن خانكاه ؟ قال :
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 757 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى