طبقات أصحاب السر
قال : « وهم على ثلاث طبقات . الطبقة الأولى : طائفة علت هممهم ، وصفت قصودهم .
وصح سلوكهم . ولم يوقف لهم على رسم . ولم ينسبوا إلى اسم . ولم يشر إليهم بالأصابع .
أولئك ذخائر اللّه حيث كانوا » .
ذكر لهم ثلاث صفات ثبوتية . وثلاثا سلبية :
الأولى : « علو هممهم » وعلو الهمة : أن لا تقف دون اللّه ، ولا تتعوض عنه بشيء سواه .
ولا ترضى بغيره بدلا منه . ولا تبيع حظها من اللّه ، وقربه والأنس به ، والفرح والسرور والابتهاج به ، بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية . فالهمة العالية على الهمم : كالطائر العالي على الطيور .
لا يرضى بمساقطهم . ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم . فإن « الهمة » كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها . وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان . فإن الآفات قواطع وجواذب ، وهي لا تعلو إلى المكان العالي فتجتذب منه . وإنما تجتذب من المكان السافل . فعلو همة المرء : عنوان فلاحه . وسفول همته : عنوان حرمانه .
العلامة الثانية : « صفاء القصد » وهو خلاصة من الشوائب التي تعوقه عن مقصوده . فصفاء القصد : تجريده لطلب المقصود له لا لغيره . فهاتان آفتان في القصد . إحداهما : أن لا يتجرد لمطلوبه . الثانية : أن يطلبه لغيره لا لذاته .
وصفاء القصد : يراد به العزم الجازم على اقتحام بحر الفناء عند الشيخ ومن وافقه على أن الفناء غاية .
ويراد به : خلوص القصد من كل إرادة تزاحم مراد الرب تعالى . بل يصير القصد مجردا لمراده الديني الأمري . وهذه طريقة من يجعل الغاية : هي الفناء عن إرادة السوى . وعلامته :
اندراج حظ العبد في حق الرب تعالى . بحيث يصير حظه هو نفس حق ربه عليه . ولا يخفى على البصير الصادق علو هذه المنزلة ، وفضلها على منزلة « الفناء » وباللّه التوفيق .
العلامة الثالثة : « صحة السلوك » وهو سلامته من الآفات والعوائق والقواطع .
وهو إنما يصح بثلاثة أشياء :
أحدها : أن يكون على الدرب الأعظم ، الدرب النبوي المحمدي ، لا على الجوادّ الوضعية ، والرسوم الاصطلاحية . وإن زخرفوا لها القول ، ودققوا لها الإشارة ، وحسنوا لها العبارة . فتلك من بقايا النفوس عليهم وهم لا يشعرون .
الثاني : أن لا يجيب على الطريق داعي البطالة والوقوف والدعة .
الثالث : أن يكون في سلوكه ناظرا إلى المقصود . وقد تقدم بيان ذلك .
فبهذه الثلاثة يصح السلوك . والعبارة الجامعة لها : أن يكون واحدا لواحد ، في طريق واحد . فلا ينقسم طلبه ولا مطلوبه . ولا يتلون مطلوبه .
وأما الثلاثة السلبية التي ذكرها . فأولها قوله : « ولم يوقف لهم على رسم » .
يريد : أنهم قد انمحت رسومهم . فلم يبق منها ما يقف عليه واقف .