مُبِيناً
( 174 ) [ النّساء : 174 ] وقال تعالى :
فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[ الأعراف : 157 ] وقال تعالى :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
[ الشّورى : 52 ] فجعله « روحا » لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح . و « نورا » لما يحصل به من الهدى والرشاد .
ومثّل هذا النور في قلب المؤمن
كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ
[ النّور : 35 ] .
ومثّل حال من فقد هذا النور : بمن هو في
أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
( 40 ) [ النّور : 40 ] .
الحزن الثالث : حزن بعثته وحشة التفرق . وهو تفرق الهم والقلب عن اللّه عز وجل . ولهذا التفرق حزن ممضّ على فوات جمعية القلب على اللّه ولذاتها ونعيمها . فلو فرضت لذات أهل الدنيا بأجمعها حاصلة لرجل ، لم يكن لها نسبة إلى لذة جمعية قلبه على اللّه ، وفرحه به ، وأنسه بقربه ، وشوقه إلى لقائه . وهذا أمر لا يصدق به إلا من ذاقه . فإنما يصدقك من أشرق فيه ما أشرق فيك . وللّه در القائل :
أيا صاحبي ، أما ترى نارهم ؟ * فقال : تريني ما لا أرى
سقاك الغرام . ولم يسقني * فأبصرت ما لم أكن مبصرا
فلو لم يكن في التفرق المذكور إلا ألم الوحشة ، ونكد التشتت ، وغبار الشعث . لكفى به عقوبة ، فكيف ؟ وأقل عقوبته : أن يبتلى بصحبة المنقطعين ومعاشرتهم وخدمتهم . فتصير أوقاته - التي هي مادة حياته - ولا قيمة لها ، مستغرقة في قضاء حوائجهم ، ونيل أغراضهم . وهذه عقوبة قلب ذاق حلاوة الإقبال على اللّه ، والجمعية عليه ، والأنس به . ثم آثر على ذلك سواه . ورضي بطريقة بني جنسه ، وما هم عليه . ومن له أدنى حياة في قلبه ، ونور . فإنه يستغيث قلبه من وحشة هذا التفرق . كما تستغيث الحامل عند ولادتها .
ففي القلب شعث ، لا يلمه إلا الإقبال على اللّه . وفيه وحشة ، لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته .
وفيه حزن : لا يذهبه إلا السرور بمعرفته . وصدق معاملته .
وفيه قلق : لا يسكنه إلا الاجتماع عليه ، والفرار منه إليه .
وفيه نيران حسرات : لا يطفئها إلا الرضى بأمره ونهيه ، وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه .
وفيه طلب شديد : لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه .
وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته ، والإنابة إليه ، ودوام ذكره ، وصدق الإخلاص له . ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسدّ تلك الفاقة منه أبدا .
فالتفرق يوقع وحشة الحجاب . وألمه أشد من ألم العذاب ، قال اللّه تعالى :
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ