فيا لها من عبودية أوجبت حرية ، وحرية كمّلت عبودية .
فيصير واقفا مع ما يختار اللّه له ، لا مع ما يختاره هو لنفسه . بل يصير مع اللّه بمنزلة من لا اختيار له البتة . فمن كان محجوبا بالعلم عن المعرفة : نازعته اختياراته ، ونازعها . فهو معها في ذل وصغار . ومتى أفضى إلى المعرفة ، وكشف له عن حجابها : شاهد البلاء نعيما ، والمنع عطاء ، والذل عزا ، والفقر غنى . فانقاد باطنه لأحكام المعرفة ، وظاهره لأحكام العلم .
على أن للملحد ههنا مجالا ، قد جال فيه هو وطائفته . فقال : هذا يوجب الانقياد لأحكام المعرفة ، والتخلص والراحة من أحكام العلم . وقد قيل : إن العالم يسعطك الخل والخردل .
والعارف ينشقك المسك والعنبر .
قال : ومعنى هذا : أنك مع العالم في تعب . ومع العارف في راحة . لأن العارف يبسط عذر العوالم والخلائق . والعالم يلوم . وقد قيل : من نظر إلى الناس بعين العلم مقتهم . ومن نظر إليهم بعين الحقيقة عذرهم .
فانظر ما تضمنه هذا الكلام الذي ملمسه ناعم . وسمّه زعاف قاتل ، من الانحلال عن الدين . ودعوى الراحة من حكم العبودية . والتماس الأعذار لليهود والنصارى ، وعباد الأوثان ، والظلمة والفجرة ، وأن أحكام الأمر والنهي - الواردين على ألسن الرسل - للقلوب بمنزلة سعط الخل والخردل وأن شهود الحقيقة الكونية الشاملة للخلائق ، والوقوف معها ، والانقياد لحكمها :
بمنزلة تنشيق المسك والعنبر .
فليهن الكفار والفجار والفساق : انتشاق هذا المسك والعنبر ، إذا شهدوا هذه الحقيقة وانقادوا لحكمها .
ويا رحمة للأبرار المحكّمين لما جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلم من كثرة سعوطهم بالخل والخردل .
فإن قوله صلى اللّه عليه وسلم : هذا يجوز وهذا لا يجوز . وهذا حلال ، وهذا حرام . وهذا يرضي اللّه وهذا يسخطه : خل وخردل ، عند هؤلاء الملاحدة . وإلا فالحقيقة تشهدك الأمر بخلاف ذلك . ولذلك إذا نظرت - عندهم - إلى الخلق بعين الحقيقة : عذرت الجميع . فتعذر من توعده اللّه ورسوله أعظم الوعيد ، وتهدده أعظم التهديد .
وباللّه العجب ! إذا كانوا معذورين في الحقيقة ، فكيف يعذب اللّه سبحانه المعذور . ويذيقه أشد العذاب ؟ وهلّا كان الغني الرحيم أولى بعذره من هؤلاء ؟ .
نعم . العالم الناصح يلوم بأمر اللّه . والعارف الصادق يرحم بقدر اللّه . ولا يتنافى عنده اللوم والرحمة . ومن رحمته : عقوبة من أمر اللّه بعقوبته . فذلك رحمة له وللأمة . وترك عقوبته زيادة في أذاه وأذى غيره . وأنت مع العالم في تعب يعقب كل الراحة ، ومع عارف هؤلاء الملاحدة : في راحة وهمية : تعقب كل تعب وخيبة وألم ، كما ذكر الإمام أحمد في كتاب « الزهد » : أن المسيح عليه السلام كان يقول : « على قدر ما تتعبون هاهنا تستريحون هنالك .
وعلى قدر ما تستريحون هاهنا تتعبون هنالك » .
فالعالم يحذرك ، ويمنعك الوقوف حتى تبلغ المأمن . وعارف الملاحدة يوهمك الراحة من كد المسير ومؤنة السفر ، حتى تؤخذ في الطريق .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 753
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٧٥٣