فالثناء : من البشرى . والرؤيا الصالحة من البشرى ، وتبشير الملائكة له عند الموت من البشرى . والجنة من أعظم البشرى . قال اللّه تعالى :
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
[ البقرة : 25 ] وقال تعالى :
وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ
[ فصّلت : 30 ] .
قيل : وسميت بذلك لأنها تؤثر في بشرة الوجه . ولذلك كانت نوعين « بشرى سارة » تؤثر فيه نضارة وبهجة . « وبشرى محزنة » تؤثر فيه بسورا وعبوسا . ولكن إذا أطلقت كانت للسرور . وإذا قيدت كانت بحسب ما تقيد به .
قوله : « هو أصفى من الفرح » واحتج على ذلك « بأن الأفراح ربما شابها أحزان » أي ربما مازجها ضدها . بخلاف السرور .
فيقال : والمسرات ربما شابها أنكاد وأحزان . فلا فرق .
قوله : « ولذلك نزل القرآن باسمه في أفراح الدنيا في مواضع » .
يريد : أن اللّه تعالى نسب الفرح إلى أحوال الدنيا في قوله تعالى :
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
[ الأنعام : 44 ] وفي قوله تعالى :
لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
[ القصص : 76 ] وقوله تعالى :
إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ
[ هود : 10 ] فإن الدنيا لا تتخلص أفراحها من أحزانها وأتراحها البتة . بل ما من فرحة إلا ومعها ترحة سابقة ، أو مقارنة ، أو لاحقة . ولا تتجرد الفرحة . بل لا بد من ترحة تقارنها . ولكن قد تقوى الفرحة على الحزن فينغمر حكمه وألمه مع وجودها . وبالعكس .
فيقال : ولقد نزل القرآن أيضا بالفرح في أمور الآخرة في مواضع ، كقوله تعالى :
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
[ آل عمران : 170 ] وقوله تعالى :
فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا
[ يونس : 58 ] فلا فرق بينهما من هذا الوجه الذي ذكره .
قوله : « وورد اسم السرور في القرآن في موضعين في حال الآخرة » .
يريد بهما قوله تعالى :
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ( 7 ) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً ( 8 ) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً
( 9 ) [ الانشقاق : 7 - 9 ] والموضع الثاني : قوله تعالى :
وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً
[ الإنسان : 11 ] .
فيقال : وورد السرور في أحوال الدنيا في موضع على وجه الذم . كقوله تعالى :
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ ( 10 ) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً ( 11 ) وَيَصْلى سَعِيراً ( 12 ) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً
[ الانشقاق : 10 ، 13 ] .
فقد رأيت ورود كل واحد من « الفرح » و « السرور » في القرآن بالنسبة إلى أحوال الدنيا وأحوال الآخرة . فلا يظهر ما ذكره من الترجيح .
بل قد يقال : الترجيح للفرح . لأن الرب تبارك وتعالى يوصف به . ويطلق عليه اسمه ، دون « السرور » فدل على أن معناه أكمل من معنى السرور ، وأمر اللّه به في قوله تعالى :
فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا
[ يونس : 58 ] وأثنى على السعداء به في قوله :
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
[ آل عمران : 170 ] .
وأما قوله تعالى :
وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً
[ الإنسان : 11 ] وقوله :
وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً
( 9 )