قال « الدرجة الثالثة : سرور سماع الإجابة . وهو سرور يمحو آثار الوحشة . ويقرع باب المشاهدة . ويضحك الروح » .
قيد الشيخ السماع : بكونه « سماع إجابة » فإنه السماع المنتفع به ، لا مجرد سماع الإدراك .
فإنه مشترك بين المجيب والمعرض . وبه تقوم الحجة . وينقطع العذر . ولهذا قال اللّه عن أصحابه
سَمِعْنا وَعَصَيْنا
[ النّساء : 46 ] وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم - لليهودي الذي سأله عن أمور من الغيب - « ينفعك إن حدثتك ؟ » قال : أسمع بأذني .
وأما سماع الإجابة : ففي مثل قوله تعالى :
وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ
[ التّوبة : 47 ] أي مستجيبون لهم . وفي قوله :
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ
[ المائدة : 41 ] أي : مستجيبون له . وهو المراد . وهذا المراد بقول المصلي « سمع اللّه لمن حمده » أي أجاب اللّه حمد من حمده . وهو السمع الذي نفاه اللّه عز وجل عمن لم يرد به خيرا . في قوله :
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ
[ الأنفال : 23 ] أي لجعلهم يسمعون سمع إجابة وانقياد . وقيل : المعنى لأفهمهم . وعلى هذا : يكون المعنى لأسمع قلوبهم .
فإن سماع القلب يتضمن الفهم .
والتحقيق : أن كلا الأمرين مراد . فلو علم فيهم خيرا لأفهمهم ، ولجعلهم يستجيبون لما سمعوه وفهموه .
والمقصود : أن « سماع الإجابة » هو سماع انقياد القلب ، والروح ، والجوارح ، لما سمعته الأذنان .
قوله : « ويمحو آثار الوحشة » يعني : يزيل بقايا الوحشة التي سببها ترك الانقياد التام . فإنه على قدر فقد ذلك : تكون الوحشة . وزوالها إنما يكون بالانقياد التام .
وأيضا : فإنه يبقى على أهل الدرجة الثانية آثار . وهم أهل كشف حجاب العلم . فإنهم إذا انكشف عنهم حجاب العلم ، وأفضوا إلى المعرفة : بقيت عليهم بقايا من آثار ذلك الحجاب .
فإذا حصلوا في هذه الدرجة : زالت عنهم تلك البقايا .
وقد يوجه كلامه على معنى آخر ، وهو : أنه إذا دعا ربّه سبحانه . فسمع ربه دعاءه سماع إجابة ، وأعطاه ما سأله ، على حسب مراده ومطلبه ، أو أعطاه خيرا منه : حصل له بذلك سرور يمحو من قلبه آثار ما كان يجده من وحشة البعد . فإن للعطاء والإجابة سرورا وأنسا وحلاوة .
وللمنع وحشة ومرارة . فإذا تكرر منه الدعاء ، وتكرر من ربه سماع وإجابة لدعائه : محا عنه آثار الوحشة . وأبدله بها أنسا وحلاوة .
قوله : « ويقرع باب المشاهدة » .
يريد - واللّه أعلم - مشاهدة حضرة الجمع التي يشمر إليها السالكون عنده . وإلا فمشاهدة الفضل والمنة : قد سبقت في الدرجتين الأولتين . وانتقل المشاهد لذلك إلى ما هو أعلى منه .
وهو مشاهدة الحضرة المذكورة .
قوله « ويضحك الروح » يعني : أن سماع الإجابة يضحك الروح ، لسرورها بما حصل لها من ذلك السماع . وإنما خصّ « الروح » بالضحك : ليخرج به سرورا يضحك النفس والعقل والقلب . فإن ذلك يكون قبل رفع الحجاب الذي أشار إليه ، إذ محله النفس . فإذا ارتفع ومحا