تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 752

مساهمون:

ص٧٥٢
رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ( 15 ) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ
( 16 ) [ المطفّفين : 15 ، 16 ] فاجتمع عليهم عذاب الحجاب . وعذاب الجحيم . و « الذوق » الذي يذهب وحشة هذا التفرق : هو الذوق الذي ذكره الشيخ في قوله : « ذوق الإرادة طعم الأنس . فلا يعلق به شاغل . ولا يفسده عارض . ولا تكدره تفرقة » . قال « الدرجة الثانية : سرور شهود . كشف حجاب العلم ، وفكّ رقّ التكليف . ونفي صغار الاختيار » يريد : أن العلم حجاب على المعرفة . فشهود كشف ذلك الحجاب ، حتى يفضي القلب إلى المعرفة : يوجب سرورا . و « العلم » عند هذه الطائفة : استدلال . و « المعرفة » ضرورية . فالعلم : له الخبر ، والمعرفة : لها العيان ، فالعلم عندهم حجاب على المعرفة ، وإن كان لا يوصل إليها إلا بالعلم . والعلم لها كالصوان لما تحته ، فهو حجاب عليه . ولا يوصل إليه إلا منه . ومثال هذا : أنك إذا رأيت في حومة ثلج ثقبا خاليا : استدللت به على أن تحته حيوانا يتنفس ، فهذا علم . فإذا حفرته ، وشاهدت الحيوان . فهذه معرفة . قوله : « وفك رق التكليف » عبارة قلقة ، غير سديدة . و « رق التكليف » لا يفك إلى الممات . وكلما تقدم العبد منزلا شاهد من رق تكليفه ما لم يكن شاهده من قبل . فرقّ التكليف : أمر لازم للمكلف ما بقي في هذا العالم . والذي يتوجه عليه كلامه : أن السرور بالذوق - الذي أشار إليه - يعتق العبد من رق التكليف ، بحيث لا يعده تكليفا . بل تبقى الطاعات غذاء لقلبه ، وسرورا له ، وقرة عين في حقه ، ونعيما لروحه . يتلذذ بها ، ويتنعم بملابستها أعظم مما يتنعم بملابسة الطعام والشراب ، واللذات الجسمانية . فإن اللذات الروحانية القلبية أقوى وأتم من اللذات الجسمانية . فلا يجد في أوراد العبادة كلفة . ولا تصير تكليفا في حقه . فإن ما يفعله المحب الصادق ، ويأتي به في خدمة محبوبه : هو أسر شيء إليه . وألذه عنده . ولا يرى ذلك تكليفا ، لما في التكليف : من إلزام المكلّف بما فيه كلفة ومشقة عليه . واللّه سبحانه إنما سمى أوامره ونواهيه « وصية ، وعهدا ، وموعظة ، ورحمة » ولم يطلق عليها اسم « التكليف » إلا في جانب النفي كقوله :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
[ البقرة : 286 ] ووقوع « الوسع » بعد الاستثناء من « التكليف » لا يوجب وقوع الاسم عليها مطلقا . فهذا أقرب ما يؤول به كلامه . على أن للملحد هاهنا مجالا . وهو أن هذه الحال : إنما هي لأقوام انتقلت عباداتهم من ظواهرهم إلى بواطنهم . فانتقل حكم أورادهم إلى وارداتهم . فاستغنوا بالواردات عن الأوراد ، وبالحقائق عن الرسوم ، وبالمعاني عن الصور . فخلصوا من رق التكليف المختص بالعلم ، وقاموا بالحقيقة التي يقتضيها الحكم . وهكذا الألفاظ المجملة عرضة للمحق والمبطل . قوله : « ونفي صغار الاختيار » يريد به : أن العبد متى كان مربوطا باختياراته ، محبوسا في سجن إرادته ، فهو في ذل وصغار . فإذا وصل إلى هذه الدرجة : انتفى عنه صغار الاختيار . وبقي من جملة الأحرار .