[ الانشقاق : 9 ] فعدل إلى لفظ « السرور » لاتفاق رؤوس الآي . ولو أنه ترجم الباب بباب الفرح ، لكان أشد مطابقة للآية التي استشهد بها . والأمر في ذلك قريب . فالمقصود أمر وراء ذلك .
درجات السرور
قال : « وهو في هذا الباب : على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : سرور ذوق . ذهب بثلاثة أحزان : حزن أورثه خوف الانقطاع . وحزن هاجته ظلمة الجهل . وحزن بعثته وحشة التفرق » .
لما كان « السرور » ضد الحزن . والحزن لا يجامعه : كان مذهبا له . ولما كان سببه : ذوق الشيء السار . فإنه كلما كان الذوق أتم : كان السرور به أكمل .
وهذا السرور يذهب ثلاثة أحزان :
الحزن الأول : حزن أورثه خوف الانقطاع . وهذا حزن المتخلفين عن ركب المحبين ، ووفد المحبة . فأهل الانقطاع هم المتخلفون عن صحبة هذا الركب ، وهذا الوفد . وهم الذين
كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ
[ التّوبة : 46 ] فثبط عزائمهم وهممهم :
أن تسير إليه وإلى جنته . وأمر قلوبهم أمرا كونيا قدريا : أن تقعد مع القاعدين المتخلفين عن السعي إلى محابه . فلو عاينت قلوبهم - حين أمرت بالقعود عن مرافقة الوفد ، وقد غمرتها الهموم ، وعقدت عليها سحائب البلاء . فأحضرت كل حزن وغم ، وأمواج القلق والحسرات تتقاذف بها ، وقد غابت عنها المسرات . ونابت عنها الأحزان - لعلمت أن الأبرار في هذه الدار في نعيم . وأن المتخلفين عن رفقتهم في جحيم .
وهذا الحزن يذهب به ذوق طعم الإيمان . فيذيق الصديق طعم الوعد الذي وعد به على لسان الرسول . فلا يعقله ظن . ولا يقطعه أمل . ولا تعوقه أمنية - كما تقدم - فيباشر قلبه حقيقة قوله تعالى :
أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
( 61 ) [ القصص : 61 ] وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
( 5 ) [ فاطر : 5 ] وقوله تعالى :
وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
[ البقرة : 223 ] وأمثال هذه الآيات .
قوله « وحزن هاجته ظلمة الجهل » .
وهذا الحزن الثاني : الذي يذهب سرور الذوق ، هو حزن ظلمة الجهل .
والجهل نوعان : جهل علم ومعرفة . وهو مراد الشيخ هاهنا ، وجهل عمل وغيّ . وكلاهما له ظلمة ووحشة في القلب . وكما أن العلم يوجب نورا وأنسا . فضده يوجب ظلمة ويوقع وحشة . وقد سمى اللّه سبحانه وتعالى « العلم » الذي بعث به رسوله نورا ، وهدى وحياة . وسمى ضده : ظلمة وموتا وضلالا . قال اللّه تعالى :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ
[ البقرة : 257 ] وقال تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها
[ الأنعام : 122 ] وقال تعالى :
قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ ( 15 ) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( 16 ) [ المائدة : 15 ، 16 ] وقال تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً