تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 748

مساهمون:

ص٧٤٨
فالفرح بالعلم والإيمان والسنة : دليل على تعظيمه عند صاحبه ، ومحبته له ، وإيثاره له على غيره . فإن فرح العبد بالشيء عند حصوله له : على قدر محبته له ، ورغبته فيه . فمن ليس له رغبة في الشيء لا يفرحه حصوله له ، ولا يحزنه فواته . فالفرح تابع للمحبة والرغبة . والفرق بينه وبين الاستبشار : أن الفرح بالمحبوب بعد حصوله ، والاستبشار : يكون به قبل حصوله . إذا كان على ثقة من حصوله . ولهذا قال تعالى :
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ
[ آل عمران : 170 ] . و « الفرح » صفة كمال . ولهذا يوصف الرب تعالى بأعلى أنواعه وأكملها ، كفرحه بتوبة التائب أعظم من فرحة الواجد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة بعد فقده لها ، واليأس من حصولها . والمقصود : أن « الفرح » أعلى أنواع نعيم القلب ، ولذته وبهجته . والفرح والسرور نعيمه . والهم والحزن عذابه . والفرح بالشيء فوق الرضى به . فإن الرضى طمأنينة وسكون وانشراح . والفرح لذة وبهجة وسرور . فكل فرح راض . وليس كل راض فرحا . ولهذا كان الفرح ضد الحزن ، والرضى ضد السخط . والحزن يؤلم صاحبه . والسخط لا يؤلمه ، إلا إن كان مع العجز عن الانتقام . واللّه أعلم . قال صاحب المنازل : « السرور : اسم لاستبشار جامع . وهو أصفى من الفرح . لأن الأفراح ربما شابها الأحزان . ولذلك نزل القرآن باسمه في أفراح الدنيا في مواضع . وورد السرور في موضعين من القرآن في حال الآخرة » . « السرور » والمسرة : مصدر سرّه سرورا ومسرة . وكأن معنى سرّه : أثّر في أسارير وجهه . فإنه تبرق منه أسارير الوجه . كما قال شاعر العرب :
وإذا نظرت إلى أسرّة وجهه * برقت كبرق العارض المتهلل
وهذا كما يقال « رأسه » إذا أصاب رأسه ، و « بطنه وظهره » إذا أصاب بطنه وظهره ، و « أمّه » إذا أصاب أمّ رأسه . وأما الاستبشار : فهو استغفال من البشرى . والبشارة : هي أول خبر صادق سار . و « البشرى » يراد بها أمران . أحدهما : بشارة المخبر . والثاني : سرور المخبر . قال اللّه تعالى :
لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
[ يونس : 64 ] فسّرت « البشرى » بهذا وهذا . ففي حديث عبادة ابن الصامت وأبي الدرداء رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم ، أو ترى له » . وقال ابن عباس « بشرى الحياة الدنيا : هي عند الموت تأتيهم ملائكة الرحمة بالبشرى من اللّه ، وفي الآخرة : عند خروج نفس المؤمن إذا خرجت يعرجون بها إلى اللّه ، تزفّ كما تزف العروس ، تبشر برضوان اللّه » . وقال الحسن : هي الجنة . واختاره الزجاج والفراء . وفسرت بشرى الدنيا بالثناء الحسن ، يجري له على ألسنة الناس . وكل ذلك صحيح .