قلت : يريد بذلك . أن هاهنا أمرين :
أحدهما : الفضل في نفسه . والثاني : استعداد المحل لقبوله ، كالغيث يقع على الأرض القابلة للنبات . فيتم المقصود بالفضل ، وقبول المحل له . واللّه أعلم .
و « الفرح » لذة تقع في القلب بإدراك المحبوب ، ونيل المشتهى . فيتولد من إدراكه حالة تسمى الفرح والسرور . كما أن الحزن والغم من فقد المحبوب . فإذا فقده : تولد من فقده حالة تسمى الحزن والغم . وذكر سبحانه الأمر بالفرح بفضله وبرحمته عقيب قوله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
( 57 ) [ يونس : 57 ] ولا شيء أحق أن يفرح العبد به من فضل اللّه ورحمته ، التي تتضمن الموعظة ، وشفاء الصدور من أدوائها بالهدى والرحمة . فأخبر سبحانه : أن ما آتى عباده من الموعظة - التي هي الأمر والنهي ، المقرون بالترغيب والترهيب ، وشفاء الصدور ، المتضمن لعافيتها من داء الجهل ، والظلمة ، والغي ، والسفه - وهو أشد ألما لها من أدواء البدن ، ولكنها لما ألفت هذه الأدواء لم تحس بألمها . وإنما يقوى إحساسه بها عند المفارقة للدنيا . فهناك يحضرها كل مؤلم محزن . وما آتاها من ربها الهدى الذي يتضمن ثلج الصدور باليقين ، وطمأنينة القلب به ، وسكون النفس إليه ، وحياة الروح به . و « الرحمة » التي تجلب لها كل خير ولذة . وتدفع عنها كل شر ومؤلم - .
فذلك خير من كل ما يجمع الناس من أعراض الدنيا وزينتها . أي هذا هو الذي ينبغي أن يفرح به . ومن فرح به فقد فرح بأجلّ مفروح به . لا ما يجمع أهل الدنيا منها . فإنه ليس بموضع للفرح . لأنه عرضة للآفات ، ووشيك الزوال ، ووخيم العاقبة . وهو طيف خيال زار الصب في المنام . ثم انقضى المنام . وولى الطيف . وأعقب مزاره الهجران « 1 » .
وقد جاء « الفرح » في القرآن على نوعين . مطلق ومقيد .
فالمطلق : جاء في الذم . كقوله تعالى :
لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
[ القصص : 76 ] وقوله :
إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ
[ هود : 10 ] .
والمقيد : نوعان أيضا . مقيد بالدنيا . ينسي صاحبه فضل اللّه ومنته . فهو مذموم . كقوله :
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ
[ الأنعام : 44 ] .
والثاني : مقيد بفضل اللّه وبرحمته . وهو نوعان أيضا . فضل ورحمة بالسبب . وفضل بالمسبب . فالأول : كقوله :
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
( 58 ) [ يونس : 58 ] والثاني : كقوله :
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
[ آل عمران : 170 ] .
فالفرح باللّه ، وبرسوله ، وبالإيمان ، وبالسنة ، وبالعلم ، وبالقرآن : من أعلى مقامات العارفين . قال اللّه تعالى :
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
( 124 ) [ التّوبة : 124 ] . وقال :
وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
[ الرّعد : 36 ] .
هامش
( 1 ) الأقرب إلى السياق : أن ما يجمعون من كتب ومؤلفات ومذاهب فلسفية ودساتير ونظم إصلاحية وغيرها مما يجمعونه ويؤلفونه لصلاح المجتمع وتهذيب النفوس بزعمهم .