تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 746

مساهمون:

ص٧٤٦
رؤيتها تكليفا خسة من الرائي . لأنه رآها بعين أنفته وقيامه بها . ولم يرها بعين الحقيقة . فإنه لم يصل إلى مقام « فبي يسمع ، وبي يبصر ، وبي يبطش ، وبي يمشي » ولو وصل إلى ذلك لرآها بعين الحقيقة ، ولا خسة فيها هناك البتة . فإن نظره قد تعدى من قيامه بها إلى قيامها بالقيوم الذي قام به كل شيء . فكان لها وجهان : أحدهما : هي به خسيسة . وهو وجه قيامها بالعبد ، وصدورها منه . والثاني : هي به شريفة . وهو وجه كونها بالرب تعالى وأوليته ، أمرا وتكوينا وإعانة . فالصفاء يطويها من ذلك الوجه خاصة . والمعنى الثاني : الذي يحتمله كلامه : أن يكون مراده ؛ أن الصفاء يشهده عين الأزل ، وسبق الرب تعالى ، وأوليته لكل شيء . فتنطوي في هذا المشهد أعماله التي عملها . ويراها خسيسة جدا بالنسبة إلى عين الأزل . فكأنه قال : تنطوي أعماله ، وتصير - بالنسبة إلى هذه العين - خسيسة جدا لا تذكر . بل تكون في عين الأزل هباء منثورا ، لا حاصل لها . فإن « الوقت » الذي هو ظرف التكليف يتلاشى جدا بالنسبة إلى الأزل . وهو وقت خسيس حقير ، حتى كأنه لا حاصل له . ولا نسبة له إلى الأزل والأبد في مقدار الأعمال الواقعة فيه . وهي يسيرة بالنسبة إلى مجموع ذلك الوقت الذي هو يسير جدا . بالنسبة إلى مجموع الزمن الذي هو يسير جدا . بالنسبة إلى عين الأزل . فهذا أقرب ما يحمل عليه كلامه مع قلقه . وقد اعتراه فيه سوء تعبير « 1 » . وكأنه أطلق عليها الخسة لقلتها وخفتها . بالنسبة إلى عظمة المكلّف بها سبحانه . وما يستحقه . واللّه سبحانه أعلم .

منزلة السرور

ومنها « السرور » . قال صاحب المنازل : « باب السرور ، قال اللّه تعالى :
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
( 58 ) [ يونس : 58 ] » . تصدير الباب بهذه الآية في غاية الحسن . فإن اللّه تعالى أمر عباده بالفرح بفضله ورحمته . وذلك تبع للفرح والسرور بصاحب الفضل والرحمة . فإن من فرح بما يصل إليه من جواد كريم ، محسن ، برّ . يكون فرحه بمن أوصل ذلك إليه : أولى وأحرى . ونذكر ما في هذه الآية من المعنى . ثم نشرح كلام المصنف . قال ابن عباس ، وقتادة ، ومجاهد ، والحسن ، وغيرهم « فضل اللّه » الإسلام . و « رحمته » القرآن . فجعلوا « رحمته » أخص من « فضله » فإن فضله الخاص : عام على أهل الإسلام ، ورحمته بتعليم كتابه لبعضهم دون بعض . فجعلهم مسلمين بفضله . وأنزل إليهم كتابه برحمته . قال تعالى :
وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
[ القصص : 86 ] وقال أبو سعيد الخدري رضي اللّه عنه « فضل اللّه : القرآن ، ورحمته : أن جعلنا من أهله » .
هامش
( 1 ) هذا من سلامة صدرك ، غفر اللّه لنا ولك . وإلا فهو فاهم ومعبر عن فهمه جيدا بعبارة منتقاة مجردة تؤدي ما قصد من معنى .