تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 745

مساهمون:

ص٧٤٥
الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ
[ سبإ : 6 ] وقال تعالى :
أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى
[ الرّعد : 19 ] فقد قال : أفمن رأى بعين قلبه أن ما أنزل اللّه إلى رسوله هو الحق كمن هو أعمى لا يبصر ذلك ؟ وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم في مقام الإحسان « أن تعبد اللّه كأنك تراه » ولا ريب أن تصديق الخبر واليقين : به يقوي القلب ، حتى يصير الغيب بمنزلة المشاهد بالعين . فصاحب هذا المقام : كأنه يرى ربه سبحانه فوق سماواته على عرشه ، مطلعا على عباده ناظرا إليهم ، يسمع كلامهم . ويرى ظواهرهم وبواطنهم . وكأنه يسمعه وهو يتكلم بالوحي . ويكلم به عبده جبريل ، ويأمره وينهاه بما يريد ، ويدبر أمر المملكة . وأملاكه صاعدة إليه بالأمر ، نازلة من عنده به . وكأنه يشاهد ، وهو يرضى ويغضب ، ويحب ويبغض ، ويعطي ويمنع ، ويضحك ويفرح ، ويثني على أوليائه بين ملائكته ، ويذم أعداءه . وكأنه يشاهده ويشاهد يديه الكريمتين ، وقد قبضت إحداهما السماوات السبع ، والأخرى الأرضين السبع . وقد طوى السماوات السبع بيمينه ، كما يطوى السّجلّ على أسطر الكتاب . وكأنه يشاهده ، وقد جاء لفصل القضاء بين عباده . فأشرقت الأرض بنوره . ونادى - وهو مستو على عرشه - بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب « وعزتي وجلالي ، لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم » . وكأنه يسمع نداءه لآدم « يا آدم ، قم . فابعث بعث النار » بإذنه الآن ، وكذلك نداؤه لأهل الموقف
ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ
[ القصص : 65 ]
« ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ » *
. وبالجملة : فيشاهد بقلبه ربا عرّفت به الرسل ، كما عرفت به الكتب ، ودينا دعت إليه الرسل . وحقائق أخبرت بها الرسل . فقام شاهد ذلك بقلبه كما قام شاهد ما أخبر به أهل التواتر - وإن لم يره - من البلاد والوقائع . فهذا إيمانه يجري مجرى العيان ، وإيمان غيره فمحض تقليد العميان . قوله « ويطوي خسة التكاليف » ليت الشيخ عبر عن هذه اللفظة بغيرها . فو اللّه إنها لأقبح من شوكة في العين ، وشجى في الحلق . وحاشا التكاليف أن توصف بخسّة ، أو تلحقها خسة . وإنما هي قرة عين ، وسرور قلب ، وحياة روح . صدر التكليف بها عن حكيم حميد . فهي أشرف ما وصل إلى العبد من ربه ، وثوابه عليها أشرف ما أعطاه اللّه للعبد . نعم لو قال « يطوى ثقل التكاليف ويخفف أعباءها » ونحو ذلك . فلعله كان أولى ، ولولا مقامه في الإيمان والمعرفة ، والقيام بالأوامر لكنا نسيء به الظن « 1 » . والذي يحتمل أن يصرف كلامه إليه وجهان : أحدهما : أن الصفاء - المذكور في هذه الدرجة - لما انطوت في حكمه الوسائط والأسباب . واندرج فيه حظ العبودية في حق الربوبية : انطوت فيه رؤية كون العبادة تكليفا . فإن
هامش
( 1 ) وهل أبين وأوضح من هذا التصريح ؟ فماذا بعد أن يجعل العبادات - التي بعث اللّه رسله بها الهدى بها الناس ، وليشرف عباده بمناجاته والمثول في حضرته - خسة ودناءة ؟ لقد كشف وكفى . واللّه المثبت .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 745 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى