تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 744

مساهمون:

ص٧٤٤
والعارفون من القوم أطلقوا هذه الألفاظ ونحوها ، وأرادوا بها معاني صحيحة في أنفسها . فغلط الغالطون في فهم ما أرادوه . ونسبوهم إلى إلحادهم وكفرهم . واتخذوا كلماتهم المتشابهة ترسا لهم وجنة ، حتى قال قائلهم :
ومنك بدا حب بعز تمازجا * بنا ووصالا . كنت أنت وصلته ظهرت لمن أبقيت بعد فنائه * وكان بلا كون . لأنك كنته
فيسمع العز « التمازج والوصال » فيظن أنه سبحانه نفس كون العبد . فلا يشك أن هذا هو غاية التحقيق ، ونهاية الطريق . ثم لنرجع إلى شرح كلامه . قوله « يدرج حظ العبودية في حق الربوبية » . المعنى الصحيح ، الذي يحمل عليه هذا الكلام : أن من تمكن في قلبه شهود الأسماء والصفات ، وصفا له علمه وحاله : اندرج عمله جميعه وأضعافه وأضعاف أضعافه في حق ربه تعالى ورآه في جنب حقه أقل من خردلة بالنسبة إلى جبال الدنيا . فسقط من قلبه اقتضاء حظه من المجازاة عليه . لاحتقاره له ، وقلته عنده ، وصغره في عينه . قال الإمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا صالح عن أبي عمران الجوني عن أبي الجلد « أن اللّه تعالى أوحى إلى داود : يا داود ، أنذر عبادي الصادقين . فلا يعجبنّ بأنفسهم ، ولا يتّكلنّ على أعمالهم . فإنه ليس أحد من عبادي أنصبه للحساب ، وأقيم عليه عدلي إلا عذبته ، من غير أن أظلمه . وبشر عبادي الخطائين : أنه لا يتعاظمني ذنب : أن أغفره ، وأتجاوز عنه » . وقال الإمام أحمد : وحدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا ثابت البناني قال « تعبد رجل سبعين سنة . وكان يقول في دعائه : رب اجزني بعملي . فمات فأدخل الجنة . فكان فيها سبعين عاما . فلما فرغ وقته ، قيل له : اخرج ، فقد استوفيت عملك . فقلّب أمره : أي شيء كان في الدنيا أوثق في نفسه ؟ فلم يجد شيئا أوثق في نفسه من دعاء اللّه ، والرغبة إليه . فأقبل يقول في دعائه : رب سمعتك - وأنا في الدنيا - وأنت تقيل العثرات . فأقل اليوم عثرتي . فترك في الجنة » . وقال أحمد بن حنبل : حدثنا هاشم حدثنا صالح عن أبي عمران الجوني عن أبي الجلد قال : قال « موسى إلهي ، كيف أشكرك ، وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمتك لا يجازيها عملي كله ؟ فأوحى اللّه تعالى إليه : يا موسى ، الآن شكرتني » . فهذا المعنى الصحيح من اندراج حظ العبودية في حق الربوبية . وله محمل آخر صحيح أيضا ، وهو أن ذات العبد وصفاته وأفعاله وقواه وحركاته : كلها مفعولة للرب ، مملوكة له ، ليس يملك العبد منها شيئا . بل هو محض ملك اللّه . فهو المالك لها ، المنعم على عبده بإعطائه إياها . فالمال ماله . والعبد عبده . والخدمة مستحقة عليه بحق الربوبية . وهي من فضل اللّه عليه . فالفضل كله للّه ، ومن اللّه ، وباللّه . قوله « ويعرف نهايات الخبر في بدايات العيان » الخبر : متعلق الغيب « والعيان » متعلق الشهادة . وهو إدراك عين البصيرة لصحة الخبر ، وثبوت مخبره . ومراده ب « البدايات العيان » أوائل الكشف الحقيقي الذي يدخل منه إلى مقام الفناء . ومقصوده : أن يرى الشاهد ما أخبر به الصادق بقلبه عيانا . قال اللّه تعالى :
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا