تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 743

مساهمون:

ص٧٤٣
في هذا اللفظ قلق وسوء تعبير . يجبره حسن حال صاحبه وصدقه ، وتعظيمه للّه ورسوله . ولكن أبي اللّه أن يكون الكمال إلا له . ولا ريب أن بين أرباب الأحوال وبين أصحاب التمكن تفاوتا عظيما . وانظر إلى غلبة الحال على الكليم عليه السلام ، لما شاهد آثار التجلي الإلهي على الجبل ، كيف خرّ صعقا ؟ وصاحب التمكن - صلوات اللّه وسلامه عليه - لما أسري به ورأى ما رأى : لم يصعق ولم يخر ، بل ثبت فؤاده وبصره . ومراد القوم بالاتصال والوصول : اتصال العبد بربه ، ووصوله إليه . لا بمعنى اتصال ذات العبد بذات الرب ، كما تتصل الذاتان إحداهما بالأخرى . ولا بمعنى انضمام إحدى الذاتين إلى الأخرى والتصاقها بها . وإنما مرادهم بالاتصال والوصول : إزالة النفس والخلق من طريق السير إلى اللّه . ولا تتوهم سوى ذلك . فإنه عين المحال « 1 » . فإن السالك لا يزال سائرا إلى اللّه تعالى حتى يموت . فلا ينقطع سيره إلا بالموت . فليس في هذه الحياة وصول يفرغ معه السير وينتهي . وليس ثم اتصال حسّي بين ذات العبد وذات الرب . فالأول : تعطيل وإلحاد . والثاني : حلول واتحاد . وإنما حقيقة الأمر : تنحية النفس والخلق عن الطريق . فإن الوقوف معهما : هو الانقطاع . وتنحيتهما هو الاتصال . وأما الملاحدة القائلون بوحدة الوجود ، فإنهم قالوا : العبد من أفعال اللّه ، وأفعاله من صفاته . وصفاته من ذاته . فأنتج لهم هذا التركيب ؛ أن العبد من ذات الرب « 2 » . تعالى اللّه وتقدس عما يقولون علوا كبيرا . وموضع الغلط : أن العبد من مفعولات الرب تعالى ، لا من أفعاله القائمة بذاته . ومفعولاته آثار أفعاله . وأفعاله من صفاته القائمة بذاته ، فذاته سبحانه مستلزمة لصفاته وأفعاله . ومفعولاته منفصلة عنه ، تلك مخلوقة محدثة . والرب تعالى هو الخالق بذاته وصفاته وأفعاله . فإياك ثم إياك والألفاظ المجملة المشتبهة التي وقع اصطلاح القوم عليها . فإنها أصل البلاء . وهي مورد الصديق والزنديق . فإذا سمع الضعيف المعرفة والعلم باللّه تعالى لفظ « اتصال وانفصال ، ومسامرة ، ومكالمة ، وأنه لا وجود في الحقيقة إلا وجود اللّه ، وأن وجود الكائنات خيال ووهم ، وهو بمنزلة وجود الظل القائم بغيره » فاسمع منه ما يملأ الآذان من حلول واتحاد وشطحات .
هامش
( 1 ) ولكن هذا يحتاج إلى غير ما يعرف الناس من الخطاب واللغة ومعاني الألفاظ . وما يعهدون في اللسان والعرف . وإذا صح هذا سقط الإنكار على الجهمية والقدرية ، بل وعلى اليهود والنصارى . فقد يتأول لهم كما يتأول لهؤلاء ، وقد فعلوا . ( 2 ) القائلون بوحدة الوجود - وهم شيوخ الصوفية المفصحون الموضحون لعقيدتهم - يقولون : إنه ليس ثم رب قائم بذاته وصفاته . وإنما يسمونه « الحقيقة الإلهية » ويقولون : إنها النواة التي خرج منها الموجودات . وجميع الموجودات هي أوصاف ومظاهر لها . فليس ثم إلا التوالد ، ليس ثم فاعل ومفعول ، وخالق ومخلوق . وينبغي دراسة الصوفية من كتب شيوخها - كالفصوص والفتوحات لابن عربي ، وكتب السهروردي ، وعبد الغني النابلسي - فإن من درس الصوفية في مصادرها عرف ماذا تقصد ؟ وماذا يريد أئمتها ودعاتها الذين واتتهم الفرصة - من ضعف المسلمين ودولتهم وسلطانهم . وقوة سلطانهم . وقوة سلطان ذوي الأهواء الجاهلية ، الدخلاء . فصرحوا بما لمح وأشار ورمز إليه متقدموهم .